عدد القراءات : 2758 | تاريخ الإضافة : 2014-03-16 00:00:00
A
A
A
الباحث / دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

سياسة التهجير الصهيونية للعرب

 الفلسطينيين 1937 - 1948

د . زهير المصري

ملخص الدراسة

يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء علي سياسة التهجير الصهيونية للعرب الفلسطينيين في الفترة من 1937 – 1948م, حيث يتناول فكرة التهجير في الفكر الصهيوني, ثم تستعرض توصيات لجنة بيل بتهجير العرب الفلسطينيين من أراضي الدولة اليهودية المزمع إقامتها.

ويناقش البحث مقررات مؤتمر بلتيمور 1942م حول إقامة دولة يهودية في فلسطين, وتتناول قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة 1947م,وتنفيذ مخطط تهجير العرب الفلسطينيين.

وتوصل البحث إلى أن تهجير العرب الفلسطينيين كان وفق خطة مركزية مدبرة ومخطط لها, وهي الخطة التي وضعت قبل قرار التقسيم بعدة سنوات.

واعتمد البحث من أجل تحقيق أهدافه على العديد من المراجع والدراسات التى تتعلق بالموضوع . ومن خلال استخدام المنهج التاريخي التحليلي للوصول إلى النتائج .

مقدمة :

تعتبر مشكلة اللاجئين معلما أساسيا من معالم القضية الفلسطينية , وقد حاولت إسرائيل بطرق مختلفة طمس هذا المعلم, أو التهرب من المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية عن خلق مشكلة اللاجئين, وادعت أن العرب الفلسطينيين تركوا وطنهم بمحض إرادتهم , أو وفق أوامر تلقوها من زعمائهم المحليين وزعماء الدول العربية.

إن المشروع الصهيوني التي عملت الحركة الصهيونية علي إقامته يهدف إلى تحويل فلسطين من بلد عربي إلى دولة يهودية , وطرد وتهجير العرب الفلسطينيين من وطنهم , وإحلال اليهود محلهم . وقد ظهرت فكرة تهجير العرب الفلسطينيين في الفكر الصهيونى قبل قيام إسرائيل لدى الآباء المؤسسين لفكرة الصهيونية , وقد مارست الحركة الصهيونية سياسة تهجير العرب الفلسطينيين في الفترة الممتدة من عام 1937-1948م , وفق خطط ترحيل صهيونية أعدت مسبقا وتهدف إلى إفراغ فلسطين من سكانها , ولكى تحقق الحركة الصهيونية سياستها تبنت تكتيكات مختلفة , فقد مارست بحق الشعب الفلسطيني جميع أشكال العنف والارهاب والترويع, وقامت بالعديد من المجازر , وعمليات التقتيل , ومارست أكبر عملية ترحيل جماعى( تطهير عرقي ) ارتكبت عبر التاريخ المعاصر معتمدة علي فكر مسبق ممنهج.

وقد جاءت هذه الدراسة لتسليط الضوء علي سياسة التهجير التى مارستها الحركة الصهيونية تجاه العرب الفلسطينيين, وتقديم صورة واضحة عن الممارسات التى ارتكبتها  بحقهم بهدف ترحيلهم وتهجيرهم عن وطنهم , الأمر الذي أدى إلى نشوء مشكلة اللاجئين .

كذلك تهدف الدراسة إلى كشف زيف الادعاءات الصهيونية بأن الشعب الفلسطينى قد ترك أرضه بمحض إرادته , أو انه أمر أو طلب منه زعماءه المحليين وزعماء الدول العربية مغادرة فلسطين.

وستركز الدراسة علي فكرة تهجير العرب الفلسطينيين في الفكر الصهيوني,وتوصيات لجنة بيل الصادرة 1937م التى أسست وأعطت شرعية للحركة الصهيونية لتهجير العرب الفلسطينيين من وطنهم ( أراضي الدولة اليهودية المزمع إقامتها وفق مقترحات لجنة بيل ), وكذلك ستتناول الدراسة مقررات مؤتمر بلتيمور في نيويورك عام 1942م , والذي دعا إلى اقامة دولة يهودية في فلسطين , وهذا تطور في اهداف الحركة الصهيونية من وطن قومى كما جاء في وعد بلفور 1917م , إلى دولة يهودية خالصة وما يحمله هذا المفهوم من ابعاد , كذلك ستتناول الدراسة قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة عام 1947م, ويحمل الرقم  (181 ), حيث استغلت الحركة الصهيونية هذا القرار الدولي وقامت بتنفيذ مخططاتها المعدة مسبقا بتهجير العرب الفلسطينيين , وستتناول الدراسة انماط الترحيل الزمانى والمكانى.

وستعتمد الدراسة علي المنهج التاريخى والتحليلي,وعلي العديد من المصادر والمراجع التي تفيد الدراسة.

أولا : فكرة التهجير في الفكر الصهيوني :

انبثقت فكرة طرد الشعب الفلسطيني من وطنه، مع بداية مشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين, حيث كانت متجذرة في صلب الفكر الصهيوني , وقد رافقت هذه الفكرة مختلف مراحل المشروع الصهيوني في فلسطين بدءً من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر , وحتى يومنا هذا . حيث من غير الممكن تحقيق الأهداف الصهيونية الأساسية دون طرد الفلسطينيين من فلسطين , وذلك من منطلق أن وجود الشعب الفلسطيني علي أرضه يتناقض مع الصهيونية وأهدافها ومشروعها الاستيطاني في فلسطين.

لقد تجاهل الصهيونيون الأوائل وجود الشعب الفلسطيني , ورسموا مشهدا مغرضاً لفلسطين يظهرها أرضا خاوية مهملة كصحراء تنتظر المعمرين اليهود , وكان واضحا في أذهان زعماء الصهيوينة أن ترويج الدعوة إلى تعمير الصحراء يتطلب تجاهل المواطنين العرب في فلسطين , بحيث يبدو ان المسألة لا تنطوي علي إلحاق ظلم بأحد طالما أنه غير موجود .

فكان تجاهل وجود العرب الفلسطينيين في فلسطين وحذفهم ذهنياً بمثابة خطوة تمهيدية في سياق السعي لحذفهم عمليا, ففي خطابات هرتزل امام المؤتمرات الصهيونية الستة التى حضرها ,وفي كتابه (دولة اليهود) لم يرد أي ذكر للعرب , ولم ترد عبارة السكان الاصليين الا مرة واحدة وبشكل عابر , وقد كان ذلك متعمدا حتى لا تتعرض المقولات الصهيونية للاهتزاز مبكرا .

وهكذا ثبتت الصهيونية مقولة احد زعماؤها (اسرائيل زانغويل*) التي تقودهم على أن ( فلسطين أرض بلا شعب ينبغي أن تعطى لشعب بلا أرض ) ([1])

وعلي الرغم مما كان يقوله الصهاينة منذ عام 1882م بان فلسطين هى عبارة عن أرض بلا شعب ,فقد اكتشفوا أن الارض الفلسطينية ليست ارضا غير مأهولة أو انها متاحة للغير في الحال , فقد كانت فلسطين باستثناء بعض المستنقعات مأهولة بالسكان علي نطاق كثيف ومزروعة علي نطاق واسع ([2]).

وأمام سقوط المقولة الصهيونية حول الفراغ الديمغرافي لفلسطين كذريعة لتهويدها, نشأت  فوراً آلية أخرى تنطوي على الإعتراف بالفراغ الديمغرافي لا يعني عدم وجود سكان إطلاقا , إنما يعني بأن هؤلاء السكان ليسوا بشراً , وإنما هم يشكلون جماعات غير متحضرة أو متوحشة في البلاد المقدسة .

ويبدو أن الصهاينة الأوائل قد تبنوا نظرية ( الفراغ الحضاري*) التي ظلت سائدة في أوروبا بجميع مضامينها العنصرية,فاعتبروا شعب فلسطين في مستوى متدني من سلم الحضارة والرقي, لا علاقة له بالبلاد , فقد اعتبر هرتزل في كتابه ( دولة اليهود ) " أن ارض اسرائيل هى وطننا التاريخي ", وتحدث عن إنشاء جدار في آسيا لحماية أوروبا يكون بمثابة حصن منيع للحضارة أمام الهمجية.([3])

لقد حاول زعماء الحركة الصهيونية نزع الشرعية عن الوجود العربي في فلسطين, حيث اعتبروا العرب غزاة ومحتلين لأرض الميعاد ,وظهر ذلك بوضوح في الشهادة التى قدمها (يشعياهو بن فورات**) حين قال" لقد علمونا احتقار العرب وأن أرض إسرائيل هى لنا .. لم يعلمونا احترام الجار العربي,وكانت الفكرة الكامنة والصريحة تقول أنهم سيرحلون بينما سنبقي نحن"([4]).

فبالإضافة إلى سياسة التغييب والتضليل متعددة الأشكال التى اتبعتها الحركة الصهيونية تجاه العرب في فلسطين , فهى لم تقم لهم وزنا بل اعتبرتهم جماعات هامشية لا كيان لها , وتم ترسيخ هذا المفهوم في تصريح بلفور الذي تمت صياغته وفق التوجهات الصهيونية , حيث جاء في التصريح إقامة وطن قومى لليهود في فلسطين , ولم يأت علي ذكر المواطنين العرب باسمهم ,بل نص علي أنهم ( طوائف غير يهودية ), كأنهم أقلية هامشية لا هوية لها ولا كيان الا من خلال تعريفها بغير اليهود ([5]).

لقد أيد كافة الآباء المؤسسين للحركة الصهيونية تهجير الفلسطينيين بصيغة أو بأخرى, ومن ضمنهم هرتزل , وليون موتسكين , ونحمان سيركين , ومناحيم أوسيشكين, وحاييم وايزمان , ودافيد بن غوريون , ويتسحاق تيبتكين , وأبراهام غرالوفيسكى , واسرائيل زينغويل , ويتسحاك بن تسفي , بانحاس روتنبرغ , وآرون أرونسون , وزئيف جابوتنسكى, وكذلك بيريل كاتس نيلسون , وذلك كحل أواحد الحلول المقترحة للمشكلة العربية , فكان حل (الترانسفير ) هي عبارة

لطيفة تشير إلى الإزالة المنظمة لسكان فلسطين ونقلهم إلى اراضي عربية مجاورة ,مصطلح الترانسفير كثيرا ما يستعمل من قبل إليشوف الصهيوني في فلسطين ( أي المستوطنات الصهيونية ) في فلسطين ما قبل عام 1948م , وكذلك في إسرائيل للإشارة إلى ما يعرف الآن بالتطهير العرقي في مرحلة ما قبل 1948م ([6]).

تجدر الإشارة إلى انه كانت عدة محاولات واضحة لحرمان الفلسطينيين من الوجود والهوية , باعتبار أن هدف الصهيونية إقامة دولة لليهود في فلسطين , هذا يتطلب إحلال عنصر بشري في الرقعة المعينة , وتهجير السكان الاصليين أو غالبيتهم العظمى , ومن ثم فإن تحويل البلاد إلى وطن يهودي بمكوناته وهويته يعد العمود الفقري للمشروع الصهيوني, ويمكن ذكر العديد من الأقوال والمواقف الصهيونية التي أفصحت عن هذا الهدف بوضوح تام:

فمثلاً ما قاله هرتزل " هناك إمكانية دفع الفلسطينيين عبر الحدود , وأنهم ببساطة سيهدمون خيامهم ويرحلون" ([7]).

كذلك ما قاله حاييم وايزمان في مؤتمر الصلح بباريس عام 1919م " أن هدف الصهيونية يتلخص بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية تماما بقدر ما هي إنجلترا إنجليزية , وأن اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين ذهبوا إليها لتكوين أمة يهودية لا أن يصبحوا كالآخرين" ولم يتردد وايزمان في الإعلان عن أن اليهود سوف يستولون علي فلسطين ([8])

وهناك العديد من النماذج التي ظهرت والخاصة بتهجير العرب من فلسطين مثل ما دعا إليه الكثير من الزعماء اليهود كالحاخام الكالعي, والحاخام كاليشر, وهرتزل مؤسس الصهيونية السياسية , الذين كانت لهم دعوات إقامة الدولة اليهودية الخالصة, وكذلك ما قاله البارون أدموند روتشيلد ( الممول الكبير ) : الذي دعا إلى ترحيل السكان الفلسطينيين إلى العراق, أيضا زنجويل ( زعيم تيار الصهيونية العملية ) الذي قال: يجب طرد العرب بحد السيف, والصهيوني بوكميل " خبير قانوني " الذي دعا لنقل العرب من فلسطين إلى سوريا والعراق , أما موتسكين (عضو الإدارة الصهيونية) فقد دعا إلى طرد العرب وتوطينهم في الدول المجاورة, كذلك سيركين (من زعماء التيار الاشتراكي الصهيوني) الذي قال يجب إخلاء العرب وترك البلاد لليهود, أيضا جابوتنسكي ( زعيم الجناح الصهيوني التعديلي) : الذي دعا لجدار حديدي لفرض الأكثرية اليهودية في البلاد, أما سوسكين (خبير زراعي هاجر من روسيا) :قال أن الترحيل القسري للعرب ضرورة لقيام الدولة اليهودية ([9]).

أيضاً ما جاء في بيان ديفيد بن غوريون ( رئيس الحركة الصهيونية وأول رئيس وزراء لإسرائيل عام 1948م ) حيث قال " يجب أن تحصل الحركة الصهيونية علي قطر " يفرغ فعلياً من أصحابه السابقين " ([10]).

ثانيا : لجنة بيل البريطانية 1937م وشرعنة التهجير للحركة الصهيونية :

على إثر ازدياد حجم الهجرة الصهيونية ,وانتقال الأراضى الفلسطينية إلى أيدى اليهود وجد الفلسطينيون أن لا مناص لهم من اللجوء إلى الثورة المسلحة لانتزاع حقوقهم وحمل السلطات البريطانية المنتدبة على تنفيذ مطالبهم الأساسية فى منع الهجرة اليهودية منعا باتاً, ومنع انتقال الأراضى العربية إلى أيدى اليهود,بالإضافة إلى إنشاء حكومة وطنية مسئولة أمام مجلس نيابي([11]).

وكانت السياسة التى درج البريطانيون على إعلانها كلما تأزم الوضع وتصاعدت المقاومة الفلسطينية فى وجه الخطر الصهيونى ,إرسال لجان للتحقيق كوسيلة للتهدئة والتخدير.

ولاحتواء الثورة الفلسطينية التى انفجرت عام 1936م أرسلت بريطانيا لجنة التحقيق الملكية برئاسة اللورد بيل,وبالفعل وصلت اللجنة فى 11 نوفمبر 1937م إلى فلسطين, وبدأت تحقيقاتها مع الموظفين الإنجليز والمسئولين اليهود وسط أجواء عدائية من الجانب الفلسطينى.

صدر تقرير اللجنة الرسمى فى القدس فى 7 يوليو 1937م ,وجاء فى التقرير أن تكون الخطوة الأولى إنهاء الإنتداب القائم تمهيداً لتقسيم البلاد إلى ثلات مناطق , منطقة عربية تُضم إلى شرق الأردن, ومنطقة يهودية , ومنطقة منتدبة , وتشمل الأخيرة الأماكن المقدسة ( ما بين القدس وبيت لحم والناصرة ) , ومن أجل أن يكون للدولة المنتدبة منفذ علي البحر فلابد من ممر ينتهى فى يافا ويشمل فى طريقه اللد والرملة. أما الدولة اليهودية فتشمل أجود الأراضى الساحلية وتمتد من حدود لبنان الى المجدل عبر سهل مرج ابن عامر وبيسان والجليل , أما ما يتبقى من فلسطين فيعطى للدولة العربية وهو يشمل يافا وغزة وبئر السبع والنقب والخليل ونابلس وأجزاء من مناطق طولكرم وجنين وبيسان([12]).  

وبالإضافة إلى تكريس مبدأ تقسيم فلسطين ,أوصى تقرير اللجنة بوجوب تبادل السكان بين المنطقتين العربية واليهودية ,وفى حال تطبيق هذا التبادل يتضح أنه لن يكون سوى عملية إجلاء للفلسطينيين فقط

عن أراضيهم وبيوتهم ,وذلك لأن عدد اليهود فى القسم العربى لم يزد على (1250) ,كما أن أراضيهم لم تزد على مائة الف دونم ,وأما العرب فى القسم اليهودى فيتجاوز ثلاثمائة ألف مواطن , وهؤلاء يملكون ثلاثة أضعاف الأملاك اليهودية ومقدارها ثلاثة ملايين وربع المليون دونم ([13]).

رفض الفلسطينيون إقتراحات لجنة بيل بشدة , وقد أثارت هذه التوصيات إنفجارا للمقاومة المسلحة فى أوساط الفلاحين الفلسطينيين , وتصاعدت وتيرة الثورة الفلسطينية،  ويُستنتج من تقرير اللجنة أنها لم تكتف بتجسيد هدف المشروع الصهيونى إقامة دولة يهودية فى فلسطين ترجمة لوعد بلفور 1917م , بل أعطت مشروعية لمفهومين أساسيين: الأول – صادقت على التفسير الصهيونى لوعد بلفور القاضى بأن "الوطن القومى لليهود " يعنى الدولة اليهودية , والأمر الثانى – إباحة حلم طالما طارد الصهاينة بترحيل الفلسطينيين من تلك الدولة , وصادق زعماء الحركة الصهيونية (حاييم وايزمان وشيرتوك وديفيد بن غوريون ) بحماس على مشروع إقتراح الترحيل أو التهجير الخاص بلجنة بيل , الأمر الهام الذى أضافه بن غوريون تحديدًا هو ليس ترحيل فقط بل أضاف الإكراه على الترحيل ,حيث ظهر ذلك بوضوح فى مذكراته الخاصة يوم 12 يوليو 1937 " إن مبدأ الترحيل القسرى للعرب من المناطق المقترحة للدولة اليهودية قد يمنحنا شيئاً لم يسبق أن كان لنا , حتى عندما كنا نملك زمام انفسنا , ولا حتى فى عهد الهيكل الأول ولا فى عهد الهيكل التانى " وأضاف " جليل بدون عرب , تتوفر لنا الآن إمكانية لم نكن نحلم بها ولا كانت لدينا الجرأة لمجرد الحلم بها فى خيالنا , هذا شئ أكثر من دولة ومن حكم ومن إستقلال ,إنه وحدة وطنية فى وطن حر, هل تجرؤ بريطانيا على مثل هذا ؟ أكيد أنها لن تفعل هذا إذا لم نرد نحن ذلك , وإذا لم ندفعها إلى التنفيذ بكل ما أوتينا من قوة ضغط وإيمان ([14]).

وذهب بن غوريون أبعد من ذلك حيث قال "يجب إعداد أنفسنا لتنفيذ مبدأ الترحيل", ولإدراكه بأن الفلسطينيين لن يوافقوا علي التخلي عن أرضهم بمحض إرادتهم سيضطر اليهود لإخراجهم بالقوة حسب تعبير بن غوريون , جاء ذلك فى رسالة الى إبنه عاموس: " لن نستطيع أن نتحمل بقاء مساحات واسعة من الأراضى غير المأهولة , يمكنها إستيعاب عشرات الآلاف من اليهود, إذا اضطررنا لإستخدام القوة ليس من أجل طرد العرب من النقب , أو من شرق الاردن, إنما من أجل ضمان حقنا فى الإستيطان هناك , ستتوفر لدينا القوة لذلك " ([15]).

وكتب بن غوريون فى رسالة أخرى الى إبنه عاموس فى سياق تعقيبه على توصيات لجنة بيل " لم نكن أبدا نريد طرد العرب من أرضهم , ولكن بما أن بريطانيا تخصص جزءاً من الأرض التي وعدت لنا ( أرض الميعاد ) لدولة عربية سيكون من العمل نقل العرب من دولتنا الى الدولة العربية"([16]).

وورد كذلك فى رسالة أخرى لبن غوريون فى 5 اكتوبر 1937 م, مرسلة إلى إبنه عاموس " إن ما نرغبه ليس هو أن تكون البلاد وحدة واحدة ولكن أن تكون البلد الموحدة يهودية " وأضاف" أن دولة يهودية محدودة لن تكون النهاية بل البداية ,فإنشاء الدولة وإن كانت محدودة ستكون أكبر ذيادة فى قوتنا نستطيع الحصول عليهااليوم, سوف تكون محوراً وركيزة لإستعادة البلاد بأكملها " ([17]).

وقد رحب زعماء الحركة الصهيونية بقرار لجنة بيل وعقدوا جلسة كرستها إدارة الوكالة اليهودية فى 12 يونيو لبحث موضوع الترحيل هل يكون طوعياً ام قسرياً .

 وأعرب شموئيل زخويتسكى ( زكيف ) أحد رؤساء اتحاد الفلاحين عن رأيه " بأن الترحيل يجب أن ينفذ على  أيدى البريطانيين,  " فرنر ديفيد سنتور أحد أعضاء إدارة الوكالة اليهودية قال إنه " يجب تحقيق أقصى حد من الترحيل " وقال عضو آخر فى اللجنة التنفيذية " يجب أن تنشأ هنا تشيكوسلوفاكيا ثانية , وهذا يمكن تحقيقه عن طريق طرد العرب وترحيلهم من هنا ".

وتحدث مناحيم أوسشكين رئيس الصندوق القومى الإسرائيلى فأعرب عن إعتقاده " بأن ترحيل "60000 " عائلة عربية يعتبر موضوعا أخلاقيا جدا ", وقال "لن نستطيع البدء فى حياة سياسية فى دولتنا إذا كان العرب يشكلون فيها نسبة 45 % من السكان", وقال عضو آخر " يجب أن نرفع نسبة الضرائب  كى يهرب العرب من الضرائب ".

وأجمل ديفيد بن غوريون النقاش واصفاً توصيات لجنة بيل بشأن فكرة الترحيل بقوله" لم يسبق أن كان لنا متل هذا الإنجاز من الناحية الاستيطانية, ستصبح لدينا مساحة عظيمة بعد الترحيل القسرى للعرب ..., إننى أحبذ ترحيلا قسرياً ,إننى لا أرى فى هذا الإجراء أى شئ غير أخلاقي"([18]).

لقد أصبح مبدأ الترحيل هدفا بعد توصيات لجنة بيل وأصبح البحث يدور الآن عن التنفيذ , فقد كتب يوسف فابتشى مدير دائرة الأراضى التابعة للصندوق القومى الإسراائيلى  وأحد زعماء النشاط من أجل الإستيطان اليهودى فى فلسطين  فى يومياته بتاريخ 20/12/1940 م "يجب أن يكون واضحا لنا تماما بأنه لايوجد مكان للشعبين العربى واليهودى معًا فى البلاد, إذا خرج العرب منها ستكون البلاد واسعة بالنسبة لنا , إن الحل الوحيد بعد الحرب العالمية الثانية هو ( أرض إسرائيل ) , على الأقل الجزء الغربى منها, ولكن بدون عرب لا يوجد مكان للحلول الوسط , ولاتوجد طريقة أخرى سوى ترحيل العرب من هنا إلى البلدان العربية المجاورة , يجب أن لا نبقى على أى قرية أو قبيلة , يجب أن يكون الترحيل إلى العراق وسوريا وشرق الأردن"  ([19]).

كذلك قال جوزيف ويتز المسئول عن إنشاء المستعمرات اليهودية " لابد أن يكون واضحاً فيما بيننا أنه لا مكان للشعبين معاً فى هذا البلد ..... وأننا لن نستطيع أن نصل إلى هدفنا فى أن نصبح شعباً مستقلاً طالما أن العرب موجودون فى هذا البلد .... ولذا فإن الحل الوحيد فى فلسطين أو على الأقل فلسطين الغربية ( غرب نهر الاردن ) بلا عرب ... وليس هنالك من سبيل إلا تهجير العرب من هنا إلى البلاد المجاورة , تهجيرهم جميعاً, بحيث لاتبقى قرية واحدة أو قبيلة واحدة ... فلا يمكن لهذه البلاد أن تستوعب الملايين من إخواننا إلا بعد هذا التهجير , وليس هناك من حل آخر " ([20]).

وقد تشكلت عدة لجان لدراسة الجوانب المختلفة لفكرة الترحيل , مثل كيف يتم تنفيذها عملياً , قدرة الدول المجاورة على إستيعاب المهجرين, رصد التمويل المطلوب , وما شابه ذلك وضمت هذه اللجان فى عضويتها كل من كابلن رئيس الدائرة السياسية فى الوكالة اليهودية , وموشيه شرتوك , وبرنارد جوزيف , وظلت فكرة الترحيل تطبخ فى واقع الأمر على نار هادئة طالما ظل قيام الدولة اليهودية فكرة وهدفا منشودا لن يتحقق بسرعة , غير أن فكرة الترحيل لم تهمل أبداً وظلت فى نظر زعماء اليهود الحل الوحيد للمشكلة الرئيسية التى واجهت الدولة اليهودية المستقبلية.

ثالثا : مؤتمر بلتيمور 1942م وفكرة الترحيل : 

عقد الصهاينة مؤتمراً لهم فى فندق بلتيمور فى نيويورك عام 1942م , وأعلنوا فيه برنامجهم الجديد الذى يتناقض مع ماجاء فى الكتاب الابيض الذى صدر عام 1939م والذى حدد الهجرة اليهودية ب 75 الفاً على مدى خمس سنوات , ووضع قيوداً على نقل ملكية الأراضى وجعل النقل مقتصراً على مناطق محدودة , واقترح الكتاب جعل فلسطين مستقلة خلال عشر سنوات إذا تحسنت العلاقات العربية اليهودية, فقد طالب برنامج بلتمور بأن يفتح باب الهجرة إلى فلسطين , وبالإستيطان فى أراضى البلاد التى لم يحتلوها بعد , وقد أعلن ذلك البرنامج لأول مرة عن نية الصهاينة بإقامة كومونولث يهودى فى فلسطين , وهذا يشير إلى أن أهداف السياسة الصهيونية قد تطورت منذ عام 1917 من إنشاء وطن قومى يهودى , إلى دولة فى جزء من فلسطين وهو إقتراح التقسيم الوارد فى توصيات لجنة بيل لعام 1937 , إلى دولة فى فلسطين بأسرها([21]).

وتجدر الإشارة إلى أن عقد مؤتمر بلتمور فى نيويورك هو تعبير عن الإستياء الصهيونى من السياسة البريطانية بخصوص الكتاب الأبيض , ولم يعد فى وسع الصهيونية بعد عام 1939 أن يعتبروا  الحكومة البريطانية حامية لمخططاتهم الرامية إلى إقامة دولة يهودية فى فلسطين , فنقلوا ثقلهم السياسي والدعائي إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن استنفذوا الدور البريطانى لعلمهم أن الثقل السياسى الدولى بعد الحرب العالمية الثانية سيكون فى الولايات المتحدة الأمريكية , وهذا يدلل على استشرافهم لمستقبل موازين القوى الدولية .

وكان قد حضر المؤتمر 600 من يهود أمريكا وعدد من يهود أوروبا وآسيا , ومعظم هؤلاء من الحركة الصهيونية أو المؤيدين لها , وكان أبرز الزعماء الحاضرين حاييم وايزمان وديفيد بن غوريون وناحوم غولد مان , وظهر خلاف بين وايزمن وبن غوريون حول أساليب الهجرة , فيما كان وايزمن مازال يفكر بهجرة الآلاف تلو الآلاف حتى يزداد العدد تدريجياً, وبينما كان فى الوقت نفسه مصراً على أسلوبه هذا خوفاً من تعثر المفاوضات مع بريطانيا, كان بن غوريون  يفكر بهجرة الملايين تشبيهاً بالهجرات الكبرى فى التاريخ القديم , وكان يتصورها هجرة من الممكن أن تشمل ربع يهود العالم أو اكثر نحو فلسطين([22]), وقد نجح بن غوريون فى جعل صلب المطالب الناجمة عن المؤتمر الطلب بهجرة جماعية من أجل تحقيق هدف مزدوج لإتاحة المجال للاجئين الهاربين من النازية , ولإرساء دعائم الدولة اليهودية وأهم تلك الدعائم السعى لتحقيق وجود الأكثرية فى البلاد من اليهود([23]).

وفى نهاية البرنامج كانت الدعوة واضحة وصريحة فى مطلب الصهيونية من مغانم الحرب , هو جعل فلسطين دولة يهودية فى بناء العالم الديمقراطى الحديث, وقد بذل زعماء الحركة الصهيونية جهوداً حثيثة لكسب التأييد الأمريكى رسميًا وشعبياً لبرنامج بلتيمور ,وقد أثمرت هذه الجهود حيث وقفت الولايات المتحدة الأمريكية بعزم وعلانية إلى جانب الحركة الصهيونية , وصرح الرئيس روزفلت فى 16 مارس 1944 مفي هذا الشأن " لم تعط الحكومة الأمريكية قط موافقتها على الكتاب الأبيض 1939 , وإن الرئيس سعيد لأن أبواب فلسطين مفتحة أمام اللاجئين اليهود"([24]).

كذلك حصلت الحركة الصهيونية على تأييد الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطى, وأيضا على تأييد الكونغرس الأمريكى فى 19 يناير 1945 ([25]).

أما على الصعيد البريطانى الرسمى فقد أثمرت الضغوط الصهيونية عن تأييد مطالب الحركة الصهيونية كما جاء فى مؤتمر بلتمور , وكانت خطوة حزب العمال البريطانى الدعوة إلى ما هو أبعد من تأييد الدولة اليهودية , فقد نادى بترحيل العرب عن فلسطين وبتوسيع حدود فلسطين القائمة , وهذا لم تجرؤ الحركة الصهيونية نفسها على المطالبة به علناً , وقد أعلن مؤتمر حزب العمال هذا القرار فى ديسمبر 1944 , ومما جاء فيه " فليشجع العرب على الخروج بينما اليهود يدخلون وليجزل لهم فى التعويض عن أراضيهم وينظم إستيطانهم بعناية فى أماكن اخرى ويمول بكرم , إن للعرب مناطق واسعة تخصهم وحدهم فيجب أن لا يطالبوا بإخراج اليهود من فلسطين الضيقة والتى تقل عن مساحة ويلز , وبالحقيقة يجب علينا أن نعيد دراسة إمكانية توسيع حدود فلسطين الحالية بالإتفاق مع مصر وسوريا وشرق الأردن"([26]).

وهكذا ما كادت الحرب العالمية الثانية تنتهى , إلا والحركة الصهيونية قد حصلت على بيلفور أمريكى جديد , وحصلت أيضا على تأييد وشرعية فى تهجير الفلسطينيين من وطنهم , وهذا الإنجاز الكبير سبق قرار التقسيم بثلاث سنوات , كما أن الحركة الصهيونية كانت قد أتمت معظم إستعداداتها العسكرية تدريباً وسلاحاً وعتاداً لتنفيذ مخططها المتمثل فى تهجير الفلسطينين قسراً بعد أن ضمنت غطاء سياسي وشرعي من الدول الكبرى ( بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ) , التى سوف تكمل رسم سيناريو التقسيم لتنفيذ أهداف المشروع الصهيونى .

رابعا : قرار التقسيم 29/11/1947 والتطبيق الصهيوني لمخطط تهجير الفلسطينيين  :

بعد صدور قرار التقسيم عن الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 29/11/1947م , إستقبلته الحركة الصهيونية بالتهليل , حيث كان مشروع التقسيم بالنسبة إلى الصهيونيين ميثاقاً يعترف بشرعية حكمهم , ويقترن بالأهمية مع وعد بلفور , بل كان رأيهم يفوقه , فبدون أدنى شك أن مشروع التقسيم لم يكن أقل تحيزاً للصهيونية من وعد بلفور فمساحة فلسطين تبلغ عشرة آلاف ميل مربع , وينص المشروع بأن يأخد العرب أربعة آلاف وثلاثمائة ميل مربع , بينما يأخد اليهود خمسة آلاف وسبعمائة ميل مربع على الرغم من أنهم يشكلون أقل من ثلث سكان فلسطين , ولا تزيد ممتلكاتهم عن 6% من أراضى فلسطين . كذلك فقد خصص التقسيم لليهود النطاق الساحلى الخصيب بينما طلب من العرب الإكتفاء بأرض معظمها من التلال والجبال , الخطير فى الموضوع ليس فقط حرمان الفلسطينيين من أرضهم , بل كذلك فقدان الأرض والسيادة والتراث القديم , لقد أسبغ قرار التقسيم الشرعية على ما أخذ بطريقة غير مشروعة إستناداً إلى وعد بلفور وصك الانتداب

كانت بريطانيا التي رفعت قضية ملف فلسطين إلى الأمم المتحدة قد أعلنت أنها سوف تنهى الإنتداب وتسحب قواتها فى 14 مايو 1947 , وفى هذه الأثناء كانت القوة الصهيونية فى فلسطين تتطور وتزداد بإستمرار حتى بلغت ما بلغته عند صدور قرار التقسيم 1947 , فالآراء حول حجم القوة الصهيونية التى وردت حتى العام 1946 على لسان الجنرال دارسي , قائد القوات البريطانية فى فلسطين كانت جريئة وواضحة ودقيقة عندما سئل ما سوف يكون عليه الوضع العسكرى فى حالة إنسحاب القوات البريطانية  فأجاب " اذا ما سحبت القوات البريطانية من فلسطين بشكل قاطع فان الهاغاناه ستفرض سيطرتها على فلسطين كلها غداً " ([27]).

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن بريطانيا كانت مطمئنة على قدرات الحركة الصهيونية , بعد أن دربتها وزودتها بالأسلحة وسمحت لها بتشكيل العديد من المليشيات العسكرية والنظامية , حيث كانت تضم القوات الصهيونية عند حلول 15 مايو حوالى ثلاثين ألف من القوات النظامية الكاملة التعبئة , ومالا يقل عن اثنين وثلاثين ألفاً من قوات الإحتياط , وحوالى خمسة عشر ألفاً من شرطة المستعمرات اليهودية , وحرساً داخلياً قوامه إثنان وثلاثون ألفاً , بالإضافة الى قوات المنظمات المنشقة من " أرغون , شتيرت, ليخى "والتي يقدر عددها مجتمعة بحوالى خمسة آلاف صهيونى([28]).

أما الشعب الفلسطيني فلم يكن في حالة إستعداد , إذ أن البريطانيين كانوا قد حطموا طاقاته العسكرية في الثلاثينات وتركوهم بعد ذلك بلا سلاح , ومنع البريطانيون عودة القيادة السياسية الفاعلة التي كانت لديهم من قبل , فلم تسترد الهيئة العربية العليا صفتها القانونية حتى العام 1946م , أما المفتى فقد ظل منفياً حتى النهاية .

إن هذه الإجراءات سالفة الذكر تؤكد على أن بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع الحركة الصهيونية كانت قد أعدت الأرضية اللازمة ومهدت الأجواء لتحقيق الهدف الصهيوني المتمثل في أخذ شرعية من الأمم المتحدة لقيام دولة يهودية علي أرض فلسطين التاريخية وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه

لقد تمت عملية التهجير الكبري من فلسطين في الأشهر الأخيرة من عام 1947م والأولى من عام 1948م , عندما نشبت حرب فعلية غير متكافئة بين الشعب الفلسطيني الأعزل من جانب , وعصابات وقوات الصهاينة من جانب آخر , حيث حاول الفلسطينيين التشبث بأرضهم ومنع العصابات الصهيونية من طردهم منها ومحاصرة التوسع الصهيوني الذي يعمل من جانب آخر ضمن خطة مسبقة علي طرد السكان من القري والمدن وجميع المواقع المهمة , فقبل نحو ستة اشهر من إعلان قيام إسرائيل دعا بن غوريون إلى تطبيق إستراتيجية عدوانية في المعركة الدائرة والمتصاعدة في فلسطين قائلاً " كل هجوم يجب أن يكون ضربة قاضية تؤدى إلى تدمير البيوت وطرد سكانها"([29]).

كانت منظمة الهاغاناة العسكرية اليهودية قد انتهت في صيف 1947م من بلورة " الخطة دالت " التي تعود خطوطها الأولي الى عام 1942م , ووضعت موضع التطبيق في مارس 1948م , حيث انطلق الصهاينة من الإعلان البريطاني بأن النية تتجه رسمياً إلى الجلاء عن فلسطين في 15 مايو 1948م أو عندما ينتهي الإنتداب ينشئ فراغ قانوني في البلد لأن بريطانيا رفضت تحمل المسؤولية إلى جانب الامم المتحدة خلال الفترة الانتقالية , وبينت لهم أبعاد الصعوبات القصوى التي سوف تواجههم فيما لو دخلت الجيوش العربية النظامية فلسطين بينما لا يزال الفلسطينيون في موطنهم الأصلي والطبيعي , فرأوا أن أكبر المشاكل إلحاحاً أمامهم هي إزاحة عرب فلسطين وطرهم قبل الخامس عشر من مايو 1948م , فكانت الخطة " دالت " تقضي بالإستيلاء علي النقاط الرئيسية في البلاد وعلي الطرق قبل رحيل البريطانيين , أما الأسس الإستراتيجية السياسية فكانت تقضي بتوسيع الدولة اليهودية إلى أبعد من حدود التقسيم 1947م , وحرق وتدمير القرى العربية وطرد السكان العرب المحليين إلى خارج الحدود([30]).

يقول إيلان بابيه , وهو من المؤرخين الجدد " إن الخطة دالت التي أرسلت إلى قادة الألوية لم تكن كما ادعى مؤرخون مثل بني موريس خطوط مبهمة , إنما أوامر للتنفيذ واضحة جداً : إحتلال وتدمير وطرد , حيث وزعت علي قادة الألوية  وكان هناك وصف مفصل للقرى الواقعة في مسرح العمليات , والمصير الذي يجب أن تؤول إليه ( إحتلال وتدمير وطرد ) "([31]).

كما نصت الخطة ( د ) لأول مرة في إستراتيجية الهاجاناة علي " ضرورة احتلال قرى ومدن عربية والإحتفاظ بها أو مسحها عن وجه البسيطة , يجب محاصرة القرى والمدن العربية وإجراء تفتيشات بحثاً عن الأسلحة والقوات غير النظامية والمتطوعين , وإذا واجهت القوات الصهيونية مقاومة يجب إبادة القوة المسلحة في القرية أو المدينة العربية , وطرد سكانها من الدولة ... , أما القرى ( المعادية ) فيجب هدمها وتدميرها نهائيا بواسطة إشعال النار فيها ونسفها , وزرعها بالألغام , ومحاصرة القرى والمدن التي يكون بإستطاعتنا الإحتفاظ بها بشكل دائم " ([32]).

لقد أقدمت العصابات الصهيونية علي ارتكاب العديد من المجازر ومختلف الأعمال الإرهابية لتفريغ فلسطين من مواطنيها العرب , وكانت أبرزها مذبحة دير ياسين في 9 ابريل 1948م , حيث بلغ عدد ضحاياها 254 فلسطينياً من شيوخ ونساء وأطفال , وتلاها مجزرتان أخريتان لا تقلان وحشية عنها هما : مجزرة الدوايمة قضاء الخليل , ومذبحة اللد , وقد استمرت العصابات الصهيونية في إرتكاب المجازر والإرهاب والتدمير , حيث وصل عدد المجازر الأخرى التي ارتكبتها حوإلى 25 مجزرة منها : مذبحة سلمة في (1/3 ) , ومذبحة بيار عدس في ( 6/3 ) ومذبحة القسطل في ( 4/4 ) , ومذبحة سعسع في ( 16/4 ) , ومذبحة طبريا ومذبحة سريس في ( 17/4 ) , ومذبحة حيفا في (20/4), والقدس في  (25/4 ) , ويافا ( 26/4 ) , وعكا في ( 27/4 ) ومذبحة صفد في ( 7/5 ), وبيسان في(9/5 ) .([33])

لقد ارتكبت العصابات الصهيونية هذه الجرائم بشكل منهجي ومخطط مسبقا , دليل ذلك ما ذكره غلوب باشا القائد الإنجليزي للجيش العربي لشرق الأردن , والذي اشترك في حرب 1948م , حيث جاء في كتابه عن سيرته الذاتية أنه سأل مسؤولاً يهودياً في حكومة الإنتداب" عما إذا كانت الدولة اليهودية ستواجه متاعب داخلية عديدة بالنظر إلى أن السكان العرب فيها سيكون عددهم مساويا لعدد اليهود " فأجاب المسؤول اليهودي " لا لا إن هذا سيجري ترتيبه , فبضع مذابح محسوبة جيدا ستؤدي الى التخلص منهم "([34]).

وهذا يشير بوضوح إلى أن طرد الفلسطينيين من وطنهم كان متعمداً , وبخلاف ما قاله بني موريس في كتابه " طرد الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين بأن الخروج "نجم عن الحرب ولم يكن نتيجة تخطيط".([35])    

صحيح حاول بني موريس وهو من تيار المؤرخين اليهود الجدد تقديم رواية جديدة عن أحداث 1948م وخصوصا تهجير الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين , حيث اعتمد علي وثائق إسرائيلية رسمية سمح بنشرها مؤخراً . وقد جاء في أحد تقارير المحفوظات وهو بعنوان " هجرة عرب فلسطين فى الفترة من 1/12/1947 إلى 1/6/1948م " , وهذا التقرير يقيم أسباب الخروج الفلسطينى , وقد استخرج من إرشيف وكالة الإستخبارات في إسرائيل , " إن ما من شك في أن العمليات العدائية التى قامت بها الهاغاناة والقوات العسكرية الإسرائيلية كانت هى السبب الرئيسي لحركة السكان "([36]).

حيث لخص موريس أحد عشر عاملاً مترابطة في الغالب فيما بينها تسببت في رحيل العرب , كما أوردتها دائرة الاستخبارات بحسب اهميتها :

-        العمليات العسكرية للهاغاناة علي القرى والمدن العربية ( مباشرة أو علي مواقع مجاورة) , أسهمت بنحو 55% من النزوح .

-        العمليات العسكرية للقوات اليهودية المنشقة ( أرغون , ليحى , زيفاي , ليومى , حيروت) والتي يقدر تأثيرها بنحو 15% .

-        اعتبارات محلية وخوف من المستقبل : 20% .

-        الأوامر من المؤسسات العربية وغير الرسمية : 2% .

-        حملات الهمس ( الحرب النفسية ) : 2% .

-        أوامر مباشرة بالرحيل من قبل القوات الإسرائيلية : 2% .

-        الخوف من انتقام اليهود بعد هجوم العرب علي مواقع يهودية : 1% .

-        ظهور قوات عربية غير نظامية من خارج القري العربية : 1% .

-        الخوف من هجوم الجيوش العربية النظامية : 1% .

-        القري العربية المعزولة وسط منطقة يهودية : 1%.([37])

هذا التقرير حسب الإستخبارات الإسرائيلية , لكنه يؤكد زيف ادعاءات إسرائيل بأن العرب هم الذين خلقوا مشكلة اللاجئين عندما بدأوا الحرب , وأن إسرائيل غير مسؤولة عن ذلك بأي شكل من الأشكال , وأن تدمير القري العربية حسب خطة ( دالت ) كانت من زاوية اعتبرها قواعد للقوى المسلحة التى كانت تبدى مقاومة يتم إبادتها وطرد سكانها إلى خارج حدود الدولة([38]).

من جانب آخر يوحى تعدد أسباب الخروج الفلسطينى " كما ذكر موريس " بوجود رغبة مضمرة للتقليل من أثر الأعمال الإرهابية الصهيونية التى كانت تتم بموجب خطط وتصورات مسبقة وبأوامر رسمية من المسؤولين الصهاينة علي المستويين الحكومى والعسكرى , وهى رغبة مرتبطة بالتنصل من المسؤولية الصهيونية عن تهجير الفلسطينيين , واعتبار الأمر مجرد نتيجة لحرب بين طرفين لا علاقة مباشرة لإسرائيل بها, وهذا مناف للحقيقة حيث أنه بتاريخ 27 مارس 1948م , وبعد أربعة أيام فقط من الهجوم العام الذي شنته قوات الهاغاناة علي التجمعات الكبري للسكان العرب , أذاع راديو الأرغون تحذيرا للسكان العرب في التجمعات المدنية بأن أمراض الكوليرا وأمراض مشابهة سوف تنتشر بينهم بشدة خلال شهري ابريل ومايو , وكذلك بعد أيام قليلة علي تنفيذ جماعة الأرغون هذه نفسها لمذبحة دير ياسين بتاريخ 9 ابريل , عقدت هذه الجماعة مؤتمراً صحفياً اعلنت فيه عن المجزرة وعن أعداد القتلي والجرحى العرب , ثم وضعت اعداداً من النساء والأطفال الذين بقوا علي قيد الحياة في سيارات شحن مكشوفة طافت بهم في أحياء القدس اليهودية ليبصق المتفرجون اليهود عليهم , ثم أطلقت سراحهم لكى يخبروا غيرهم عن تجربتهم([39]).

كذلك طافت سيارات صهيونية في مدينة القدس تحمل مكبرات الصوت تذيع باللغة العربية " الطريق إلى رفح ما زالت مفتوحة , اهربوا من القدس قبل أن تذبحوا جميعاً , وإذا لم تتركوا بيوتكم فإن ما حدث لأهالى دير ياسين سيحدث لكم " ([40]).

كذلك استخدم الصهاينة أسلوب الهمس الذي وصفه يجال آلون في كتاب هبلماخ تايل "كانت قد بقيت أمامنا خمسة أيام فقط قبل ذلك اليوم الرهيب, يوم 15 مايو, ورأينا من الضروري أن نقوم بتنظيف الجليل الداخلي وبخلق منطقة يهودية متواصلة في جميع منطقة الجليل الأعلي , وكانت المعارك تتطلب منا استعمال القوة لجعل عشرات الألوف من العرب الذين يقيموا في الجليل يهربون "،  وأضاف آلون " قمت بجمع جميع المخاتير اليهود الذين كانت لهم الصلات مع العرب في القري المختلفة ,وطلبت منهم أن يهمسوا في آذان بعض العرب بأن تعزيزات كبيرة من الجنود اليهود قد وصلت إلى الجليل وأنهم سيقومون بحرق جميع قري الحولة , وكان عليهم (أي المخاتير اليهود) أن يقترحوا علي هؤلاء العرب بدورهم كأصدقاء لهم أن يهربوا قبل أن تضيع عليهم فرصة وإمكانية الهرب,وانتشرت السمعة في جميع مناطق الحولة بأن وقت الهرب قد حان,وكان عدد الذين فروا لا يحصي,وأدت الخطة أهدافها تماماً , وأصبحت مناطق واسعة نظيفة ( من العرب) بأيدينا "([41]).

وهذا يظهر بوضوح أن الشعب الفلسطيني طرد من وطنه بقوة السلاح وبعوامل نفسية, ضمن خطة صهيونية شاملة منظمة ومخططة جيداً لاِخلاء البلاد من مواطنيها, وأن الاِدعاءات الصهيونية بأن القادة العرب دعوا الفلسطينيين إلى مغادرة منازلهم لا أساس له من الصحة ومناف للحقيقة , كما أنه لم يعثر علي أي دليل أو اثبات بأن المؤسسات الرسمية والغير رسمية في العالم العربي , بما في ذلك الجماعات الفلسطينية , بل إنها اتخذت موقفاً عدائياً نحو أولئك الذين غادروا منازلهم , ودعت الفلسطينيين إلى البقاء في منازلهم والحفاظ علي اعمالهم , وذهبت إلى حد تهديد أولئك الذين يغادرون باِنزال عقوبة قاسية بهم([42]).  وهذا يؤكد أن الفلسطينيين لم يفروا بأمر قادتهم, بل بسبب الارهاب المتعمد غالباً , والعنف والمجازر المرتكبة بحقهم من قبل الميليشيات اليهودية , وأن ادعاء المؤرخين الجدد الاسرائيليون وعلي رأسهم بني موريس بعدم وجود مخطط متعمد لطرد الفلسطينيين , وأن مشكلة اللاجئين " ولدت من رحم الحرب, لا التخطيط " هو ادعاء باطل ومجاف للحقيقة .

خامسا : أنماط التهجير  :

يبدو للوهلة الاولى وكأن الهجرة الفلسطينية تمت أثناء حرب 1948م ,وانها جرت فجأة وفي وقت واحد , ولكن ذلك بعيد كل البعد عن الحقيقة , فلم تكن الهجرة الفلسطينية سنة 1948 , سوى حلقة في سلسلة طويلة مازالت تتداعي حتى الآن , وستتواصل علي مدى المستقبل المنظور علي أغلب الظن , وهناك عدة أنماط للتهجير :

أنماط طويلة المدى :

حيث أن عملية تهجير الفلسطينيين بدأت في مطلع الثمانينات من القرن التاسع عشر (1882) ومستمرة حتى يومنا هذا , حيث أن التوجه هو في الزيادة الثابتة في نسبة اليهود والإنخفاض الثابت في نسبة العرب , وقد جاء هذا التوجه نتيجة إتجاهين فرعيين هما : زيادة اليهود المستمرة بما يتجاوز الطبيعة المتوقعة من خلال الهجرة , وتناقص العرب المستمر  بما يتجاوز النمو الطبيعي المتوقع, وهذا جاء نتيجة عملية تهجير وتشريد الفلسطينيين, وبطبيعة الحال لم تستمر العملية علي وتيرة واحدة , رغم أنها اتخذت دوماً الإتجاه العام نفسه وقد سجل الإزدياد في اليهود قفزات صاعدة مفاجئة ,ذلك كما جرى في الفترة الواقعة بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة , وفي أواخر الثلاثينات بعد صعود النظام النازى في المانيا إلى سدة الحكم , وفي أوائل الخمسينيات , بعد إقامة الدولة اليهودية بقليل ([43]).

لقد امتد النزوح العربي علي مسافة طويلة من الزمن , فقد تمكن الصندوق القومى اليهودى منذ ما قبل نهاية القرن التاسع عشر, خاصة في سنوات العشرينيات والثلاثينيات من شراء مساحات واسعة من الأراضي من ملاك الأرض الموجودين خارج فلسطين, وبمساعدة الشرطة البريطانية تمكنت من إخراج الفلاحين المستأجرين من القرى الواقعة في تلك الأراضي, كما جرى تفريغ وهدم مابين 60- 70 قرية فلسطينية بهذه الطريقة قبل عام 1948م .

وقد بلغ التهجير ذروته في العشرين شهراً الأولى من حرب 1948م , ولكنه لم يتوقف عند نهاية هذه الحرب, فقد استمر طرد الاشخاص والإخلاء الجزئي والكلي لبعض القرى حتى الخمسينيات, مما نتج عنه تفريغ وهدم أكثر من 20 قرية بعد حرب 1948م.

ويلاحظ أن الحركة الصهيونية ركزت جهودها تجاه الإستيلاء علي السهول والوديان الخصبة في المنطقة الساحلية , ومرج ابن عامر , وغور الأردن , وشمال بيسان, وسهول الحولة , ويلاحظ هنا التركيز علي البعد الجغرافي, إذ ركزت العسكرية الصهيونية أولاً علي إحتلال المدن والقرى العربية في هذه المناطق نفسها أثناء حرب 1948م,ويلاحظ أيضاً أن النمط الذي برز نهاية حرب 1948 يتمشى بشكل واضح مع خطة تقسيم إفترضتها الوكالة اليهودية سنة 1936,1946 معلي التوالى مع خطة تقسيم سنة 1947م الصادرة عن الأمم المتحدة .

وعليه يمكن القول أن أنماط التهجير التى وقعت أثناء حرب 1948م كانت مجرد محطة في عملية طويلة جدا , بدأت أواخر القرن التاسع عشر وما زالت جارية إلى يومنا هذا, وربما كان مستوى النشاطات الصهيونية في سنة 1948م أكثر اتساعاً, وربما كانت الوتيرة أسرع, إلا أن الفلسفة والأهداف لوضع الاستراتيجيات والتكتيكات لم تتغير كثيراً منذ نشوء الحركة الصهيونية .

وقد برزت بوضوح الأنماط المكانية والزمانية في النشاطات الحربية سنة 1948م, وبالتالى في عملية تهجير الفلسطينيين , حيث ظهر بوضوح أن الصهيونيين قد ميزوا بين المناطق التى خصصتها خطة التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة للدولة اليهودية ,والمناطق التى خصصت للدولة العربية, فمن الناحية الزمانية يبدو أن القوات اليهودية كانت معنية أولاً بتأمين المناطق الخاصة بالدولة اليهودية , أو المناطق المهمة جداً من الدولة العربية وهى الشريط المؤدي من تل أبيب إلى القدس , والشريط الذي يصل الجليل الشرقي وغور الأردن بالجليل الغربي والسهل الساحلي , وقد تم إحتلال جميع هذه الأجزاء قبل أوائل يونيو 1948م, أى أقل من اسبوعين بعد الإعلان الرسمى للدولة .

وقد جاء ذلك علي مرحلتين , شملت المرحلة الأولي المدن الكبيرة المختلطة , والمراكز السكانية مثل ( طبريا وحيفا ويافا وصفد وعكا ) ثم انتقلت القوات اليهودية لإحتلال بقية المدن والقري , وبعد ضمان هذه المواقع شنت القوات الإسرائيلية هجومها لإحتلال بقية المناطق خارج خطة الأمم المتحدة .

وكانت الخطة اليهودية الصهيونية تقوم علي مرحلتين , الأولى مرحلة الاستيلاء , والثانية مرحلة التنظيف , وفي أثناء المرحلة الأولي تم الإستيلاء علي حوإلى 55% من المناطق المخصصة للدولة العربية , وأما أل 45% الأخرى , أو حوإلى 20% من مساحة البلاد كلها قد شكلت مما يعرف اليوم بالضفة الغربية وقطاع غزة ([44]).

أنماط قصيرة المدى :

يمكن التمييز بين نمطين للخروج من الأراضي الفلسطينية :

النمط الأول : الخروج دون التعرض لخطر داهم مباشر هدد حياتهم , أما الثانى فهو الهرب من وجه ما كان يراه الفلسطينيون خطر الموت الوشيك , الذي يهدد الأفراد أو أفراد عائلتهم, ويشمل النوع الأول هروب الأغنياء والمتعلمين والمهرة ,الذين أخذوا في ترتيب شؤونهم بعد وقت قصير من بدء الأعمال العدوانية في ديسمبر 1947م , وفي يناير 1948م, ولم يتوقع هؤلاء أن يعانوا كثيراً , إذا ما كان عليهم قضاء بعض الأشهر أو حتى السنوات خارج البلاد إلى أن تنتهى الحرب , إلا أنهم رتبوا علي وجه العموم شؤونهم بافتراض أنهم سيعودون إلى بيوتهم في وقت ما , وكان معظم هؤلاء من المدن الساحلية مثل حيفا وعكا ويافا , وعدد قليل من الأفراد والعائلات من أنحاء مختلفة من البلاد , ويمكن النظر إلى هذا النوع من الخروج علي أنه في الحقيقة هجرة من فلسطين إلى بلاد عربية أخرى خوفاً من الحرب ولا تتعدى نسبتهم 8% من مجموع الذين هجروا من فلسطين.

اما النمط الثانى من الخروج : فهو الخروج في اثناء الحرب , ويشمل هذا النموذج ما يتبقى من الهجرة الفلسطينية , وحدث دون تخطيط او استعداد مسبق , كما جرى عادة دون توفر النية في مغادرة البلاد , بل جاء قسرياً وبمواجهة ما اعتبر بأنه وضع كان فيه احتمال الموت يتهدد الأشخاص أو أفراد عائلتهم .

وقد كان الخروج في هذه الحالات نتيجة لثلاثة عوامل:

1-    هجوم قامت به القوات اليهودية شمل بالعادة قصف مدافع ونيران مورتار وقصفاً جوياً .

2- طرد وإجلاء بالقوة .

3- مذبحة

وقد استخدم الإسرائيليون مزيجاً مختلفاً من هذه الأساليب في مواقع مختلفة([45]).

الخاتمة :

تناولت هذه الدراسة سياسة التهجير التى مارستها الحركة الصهيونية تجاه العرب الفلسطينيين في الفترة 1937-1948م , كما تناولت فكرة التهجير في الفكر الصهيونى, وتأثير توصية لجنة بيل بترحيل العرب الفلسطينيين من أراضي الدولة اليهودية التى سوف يتم إقامتها حسب توصيات اللجنة , والتى أعطت شرعية لسياسة التهجير الصهيونية, وكذلك تتبعت الدراسة بالتحليل مدلول وأبعاد نتائج مؤتمر بلتيمور الذي دعا إلى إقامة دولة يهودية خالصة في فلسطين , وكذلك تناولت الدراسة صدور قرار التقسيم التى إستغلته الحركة الصهيونية وقامت بتنفيذ الخطط التى أعدت مسبقا لترحيل وتهجير العرب الفلسطينيين تحت مظلة الشرعية الدولية وهى شرعية التقسيم .

وقد توصل البحث لعدة نتائج أهمها :

-  إن سياسة التهجير متجذرة في الفكر الصهيونى .

-  إن الادعاءات الصهيونية بأن هجرة العرب من فلسطين جاءت نتيجة أوامر من القادة العرب من داخل البلاد أو من خارجها عن طريق الإذاعات أو أى طرق أخرى عارية عن الصحة تماما , بل ثبت العكس أن القادة العرب حاولوا منع الخروج أو النزوح.

-  كذلك لاصحة للإدعاء الصهيونى بأن مشكلة وجود اللاجئين جاءت نتيجة دخول القوات العربية النظامية إلى فلسطين بعد 5 ايار/ مايو 1948م

- لقد أثبتت الدراسة أن خروج السكان العرب بشكل رئيسي جاء نتيجة العدوان الصهيونى علي القرى والمدن وتجمعات السكان العرب في فلسطين , وأن الأساليب التي استخدمتها الحركة الصهيونية إتسمت في الغالب بالإرهاب والفظاعة وارتكاب المجازر ونشر الذعر والخوف وأسإلىب الحرب النفسية بقصد دفع السكان العرب إلى الفرار , والكثير من هذه الأساليب إرتكبت ضد قرى كانت قد عقدت إتفاقيات تفاهم وتعايش مع المستوطنات اليهودية أو مع قادة القوات الصهيونية في المنطقة .

- كذلك أظهرت الدراسة أن العديد من المواقع إرتكبت فيها جرائم ومذابح وأخليت بعد أن استسلمت وبقي أهلها فيها , وأن هذه المذابح والتشريد لم تأت نتيجة المقاومة العنيفة التى لقيتها القوات الصهيونية في هذه المواقع , ولم تكن ضرورة تطلبتها طبيعة الحرب, إذ أن عدد الخسائر في القوات الصهيونية في كل من اللد ودير ياسين لم تزد عن أربعة قتلى , بينما تراوح عدد القتلى من العرب ما بين 200 – 300 قتيل في كل حالة . وأن الغرض الأساسي من هذه المجازر كان نشر الرعب في قلوب السكان في المناطق المجاورة كى يلجؤوا إلى الهروب قبل وصول القوات الصهيونية , وليس مجرد الاستيلاء علي المناطق وإنهاء المقاومة فيها .

- إن سياسة التهجير الصهيونية لم تكن عفوية أو جاءت تمشياً مع متطلبات الحرب, بل كانت هناك خطة مركزية مدبرة ومخططاً لها لتهجير جميع السكان العرب أو معظمهم, وهى خطة " دالت " التى وضعت قبل صدور قرار التقسيم بسنوات.


 

ملفات مرفقة :

 للتواصل والاستفسار :

 مسؤول الموقع : أحمد الطيبي   -بريد الكتروني : ahmed@ppc-plo.ps   - جوال :0597666543  

  

فيديو

مواضيع مميزة

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

محاضرة بعنوان : أسس وأساليب ومناهج البحث العلمي

رام الله: نظمت يوم أمس الثلاثاء الموافق 17/9/2019 دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني في مقر منظمة التحري..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

محاضرة بعنوان : الأبحاث الاعلامية

نظمت دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية يوم الثلاثاء 10-9-2019، في قاعة مبنى..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

منتدى غزة الحادي عشر للدراسات السياسية والإستراتيجية

عقدت دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني – المحافظات الجنوبية ، المنتدى السنوي الحادي عشر للدراسات الاستر..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

منظمة التحرير الفلسطينية

الفكرة - المسيرة - المستقبل..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

الوزير أبو النجا في زيارة تفقدية الى مقر دائرة العمل والتخطيط الفلسطينى

قام الوزير ابراهيم أبو النجا "ابووائل" بزيارة تفقدية الى مقر مبنى دائرة العمل والتخطيط الفلسطينى بغز..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

وفد من النضال الشعبى يتفقد مبنى دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

قام وفد من جبهة النضال الشعبى الفلسطينى بقطاع غزة بزيارة تفقدية الى مقر مبنى دائرة العمل والتخطيط ال..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

د. احمد مجدلاني يدين القصف الذي طال مبنى دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

د. احمد مجدلاني يدين القصف الذي طال هذا الصباح مبنى دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني احد دوائر منظمة ..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

دائرة العمل والتخطيط بمنظمة التحرير تناقش خطتها للمرحلة القادمة

ناقشت دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني بمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماع ترأسه رئيس الدائرة د. أحمد ..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

كتاب منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والاستراتيجية

كتاب منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والاستراتيجية المتغيرات المستقبلية في النهج السياسي الفلسطي..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والإستراتيجية

منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والإستراتيجية تحت عنوان المتغيرات المستقبلية في النهج السياسي ال..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

قانون الجنسية الإسرائيلي ويهودية الدولة

ورشة عمل الثلاثاء 18/7/2017..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

تضامنا مع الأسرى

الحرية لأسرى الحرية..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

كتاب منتدى غزة التاسع للدراسات السياسية والاستراتيجية

كتاب منتدى غزة التاسع للدراسات السياسية والاستراتيجية القضية الفلسطينية في بيئة اقليمية متغيرة الت..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

منتدى غزة التاسع للدراسات السياسية والاستراتيجية

القضية الفلسطينية في بيئة اقليمية متغيرة التطورات والتداعيات..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

مركز التخطيط الفلسطيني و مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية يبحثان التعاون وتعزيز العلاقات

التقى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية احمد مجدلاني مدير مركز التخطيط الفلسطيني ، مع م..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

مجلة المركز عدد 45

مجلة دراسيـة فصليـة متخصصــة بالشؤون الفلسطينية وكل ما يتعلق بها،تصدر عن مركـز التخطيط الفلسطيني. ت..

الباحث : د. خالد شعبان

الدكتور خالد شعبان مشرفا لرسالة ماجستير في جامعة الازهر

مناقشة رسالة الباحث اكرم قشطة والتي عنوانها "سياسة دول مجلس التعاون الخليجي تجاه البرنامج النووي الا..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

منتدى غزة الثامن للدراسات السياسية والاستراتيجية - القسم الثاني

نحو كسب التأييد الدولي من اجل القضية الفلسطينية..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

مشاركة مركز التخطيط الفسطيني في مؤتمر قطاع غزة الواقع وافاق المستقبل

مشاركة مركز التخطيط الفسطيني في مؤتمر قطاع غزة الواقع وافاق المستقبل الذي نظمته كلية الاداب - جامعة..

الباحث : دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

الحياة برس : "الديمقراطية وحقوق الإنسان ” دورة يعقدها مركز التخطيط الفلسطيني

مقال للحياة برس..