عدد القراءات : 391 | تاريخ الإضافة : 2014-03-16 15:02:00
A
A
A
الباحث / مركز التخطيط الفلسطيني

أُفول الردع الإسرائيلي

والحرب القادمة 

أ.علاء منصور 

مقدمة: 

أخذ مفهوم الردع في الظهور بشكل واسع بعد الحرب العالمية الثانية, وأصبح له أبعاداً جديدة خاصة مع اختراع الأسلحة النووية. وهو يعني "القدرة على ثني عدو/خصم عن القيام بأعمال عدائية ضد الدولة, وذلك عن طريق توجيه رسالة مؤداها أن مثل هذه الأعمال لن تكون مجدية بالنسبة إليه, ومن ناحية عملية فإن الردع يهدف الى منع الحرب والعنف, وهو مرتبط عضوياً بالقدرة على الحسم والانتصار في الحرب"(1), ويعتبر الردع استراتيجية تستخدمها الدولة صاحبة القدرة والتفوق العسكري بالإيحاء للدول أو الأطراف الأخرى بأن أي عمل عدائي ضدها سوف يجر عليها من الخسائر والويلات ما لا طاقة لها به, لهذا عليها الامتناع والابتعاد عن القيام بمثل تلك الأعمال. ومن بين الأسس التي يقوم عليها الردع هي المصداقية والتي تعني أن قيمة الردع تكمن في درجة العزم والتصميم الذي يظهره الرادع على تنفيذ التهديد بالعقاب.

وقد أخذ مفهوم الأمن لدى إسرائيل تفسيرات متعددة عبر حقب زمنية متعاقبة, وذلك حسب تطور الأوضاع في المنطقة ووضع إسرائيل ذاتها, فعند قيام إسرائيل كان مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي يهدف الى تثبيت وجود إسرائيل في المنطقة, وفي مرحلة لاحقة تضمن مفهومها الأمني اعتماد استراتيجية الردع والحفاظ على التفوق العسكري, إضافة للارتكاز على مبدأ الحرب الوقائية والهجوم المسبق. ورغم حالة الثبات النسبي التي تميز بها الردع الإسرائيلي في ضوء التطورات الإقليمية والدولية, الا أن القدرة على الحفاظ على مصداقيته وهيبته أصبحت أكثر صعوبة, مثله في ذلك مثل مرتكزات أمنية أخرى تراجعت المقدرة على تطبيقها, كنقل الحرب لأرض العدو والعمق الاستراتيجي وقدرة القوات الإسرائيلية على تحقيق الحسم في معاركها. فهناك علاقة ترابط وتكامل بين عناصر المرتكزات الأمنية الإسرائيلية, ففي حين يضعف أحدهما يأتي الآخر ليعززه, فالردع حينما يكون ضعيفاً تأتي الحرب الاستباقية لتعزيزه وحين تنجح الثانية في تحقيق أهدافها فهي تعمل على تعزيز قوة الردع, فإسرائيل تستخدم الحرب لتحقيق الردع ولا تستخدم الردع لمنع الحرب بل لتأجيلها لفترة محدودة فقط, وتستخدم الحروب لتحقيق أهداف سياسية.

ومن أجل تحقيق غايتها في البقاء جزمت مفاهيم الأمن الإسرائيلي بأنه يجب على إسرائيل أن تحتفظ بالقدرة على الردع وعندما لا يكفي الردع فالحسم, والحسم يعني بالمفهوم الإسرائيلي احتلال أراضي الخصم وتدمير قواته.

وقد استطاعت إسرائيل تطبيق مرتكزات ومبادئ أمنها القومي على مدار خمسين عاماً بنجاح باهر, ومع اندلاع انتفاضة الأقصى وبروز المقاومة الفلسطينية بدأ الأفول يدب في بعض تلك المرتكزات والمبادئ, حيث تمكنت المقاومة من تحطيم أهم ركائز الأمن القومي الإسرائيلي من خلال ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية لأول مرة منذ عام 1948م, منهية بذلك عصر نقل المعركة لأرض العدو كما جرى في حروبها السابقة, عندما كان يتم إبعاد العمق الإسرائيلي عن ساحة الحرب ومجرياتها, وبات واضحاً ومفهوماً أكثر من أي وقت مضى أن نتائج الحروب بين إسرائيل وخصومها سوف تتحدد في المستقبل ليس بناء على ما سيحدث في أرض المعركة فقط، وإنما بناءً على ما سيحدث في الجبهة الداخلية لإسرائيل أيضاً, فلم يعد هناك فاعلية لمبدأ الحدود الآمنة لإسرائيل خاصة بعدما أكدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية على أفول قوة الردع الإسرائيلية, وانتهاء مرحلة الحرب القصيرة الخاطفة, كما أثبت صمود الشعب الفلسطيني أن استراتيجية الردع و الحسم العسكري الإسرائيلية والتي تقوم على استخدام القوة الهائلة وإنهاك العدو بأكبر قدر ممكن لن توصل الى سلام مع الفلسطينيين.

 إن نظرية الردع الإسرائيلية تعتمد دائماً وأبدأ على الافتراض بأن نصراً إسرائيلياً جلياً في كل مجابهة عسكرية مع العرب, يؤدي ليس فقط لإنهاء الحرب, بل يساهم أيضا في إقناع العرب بعقم الخيار العسكري, فقد فضلت إسرائيل ممارسة سياسة الردع تجاه الدول العربية والفصائل الفلسطينية كبديل عن سياسة الحرب بمفهومها الشامل, لذلك استخدمت نوعين من الردع وهما الردع العام والردع الخاص المحدود, فقد ركز الردع العام الإسرائيلي على مفهوم إظهار ملكية إسرائيل للقوة الفائقة وظلت إسرائيل تردد القول "أن بإمكان العرب اختيار وقت الحرب بينما نحن الذين نقرر مجالها ونطاقها, وقد أريد بذلك توصيل رسالة إلي الدول العربية بأن لا تبادر الى الحرب لأن إسرائيل ستلحق بهم هزيمة يفوق ثمن الذهاب الى الحرب ثمن أية فوائد قد تجنيها من ورائها"(2), لهذا تقرر أن تكون المهمة الأساسية  للجيش الإسرائيلي هي ردع العرب عن المبادرة بالحرب أو القيام بأعمال عدائية ضد إسرائيل, وقد ذهب مرتكز الردع الإسرائيلي الى منحى آخر بوضعه الخطوط الحمراء الواضحة والتي عند تجاوزها من قبل الدول العربية يؤدي الى نشوب الحرب ومنها "إدخال جيش مصري ذي حجم كبير إلى سيناء بين سنة 1956 وسنة 1967, إغلاق مضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية, أو تغيير جوهري في الوضع في الأردن وإدخال جيوش عربية إليه"(3).

وفي سعيها الدائم لتوفير الأمن المنشود استمرت إسرائيل بتطبيق استراتيجية الردع المعتمدة لديها, وتمسكت باستراتيجية الردع كخط دفاعي لا يقبل الشك في حصانته وذلك لتأثيره النفسي الفاعل لدى العرب جميعاً. إلا أن اهتزاز صورة الردع الإسرائيلي مع حركات المقاومة الوطنية في كل من لبنان وفلسطين مؤخراً, سيؤدي في النهاية الى سقوطه, وبالتالي الى انهيار ثقة المجتمع الإسرائيلي بمكانة الجيش الذي لا يقهر ومن ثم بعقيدة القوة والأمن, بالإضافة لمحدودية فاعلية الردع النووي الإسرائيلي في المرحلة الراهنة, فقد أثبتت الحروب الأخيرة التي خاضتها إسرائيل في كل من لبنان وغزة, أن ثمة تراجع ملحوظ في قدرة الجيش الإسرائيلي على حسم المعركة وفق الأسلوب القديم القاضي بتدمير قوات الخصم واحتلال أرضه. وفوجئت إسرائيل وحلفائها بالعالم في نوفمبر 2012م بقدرة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة, على دك كل المفاهيم والمرتكزات الأمنية الإسرائيلية, فإذا كانت حرب 1973م أسقطت مفهوم أو نظرية الحدود الآمنة فان حرب غزة الأخيرة أقنعت العالم وإسرائيل, أنه لا أمن لإسرائيل في أية حدود ترسمها انتصاراتها العسكرية, أو أية نظرية أمنية ابتدعتها من قبل, وأنه لابد لإسرائيل عاجلاً أم آجلاً أن تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

لقد أصبح أمن إسرائيل وأمن مواطنيها أكثر عرضه للتآكل على المدى المتوسط والبعيد بفعل المهددات الداخلية(المقاومة الفلسطينية) والخارجية(إيران وحزب الله), وبالتالي أصبحت القدرة على اختراقه أكبر وتبعيته أشد للقوى العظمى(أمريكا), لهذا تجري إسرائيل محاولات دائمة لتطوير جيشها وعقيدته العسكرية. وفي هذه المرحلة لم يعد العمق الاستراتيجي الذي حققته إسرائيل باحتلال أراضي عربية في القرن الماضي كافياً لمنع التهديدات الداخلية والخارجية من المس بالجبهة الداخلية الإسرائيلية.

فمفاهيم الأمن الإسرائيلي قامت على نقل المعركة إلى أرض العدو والحرب الاستباقية والردع والحدود الآمنة, إلا أن أياً من هذه المفاهيم لم تحقق الأهداف المرجوة منها وعجزت عن مواجهة تأثير صواريخ المقاومة الفلسطينية وتهديدها للعمق وللمجتمع الإسرائيلي وأمنه القومي برمته, فسقوط الصواريخ في عقر الدار الإسرائيلية أثبت مدى هشاشة الجدار الحديدي الذي رسمته إسرائيل حول أمنها القومي, الأمر الذي أدى لوقوع  خسائر بشرية ومادية أوصلت المجتمع الإسرائيلي ليعيش حالة الرعب التي طالما عاشها الفلسطينيين مرات عديدة من قصف البيوت وتدميرها بحجة وجود مقاومين بها أو بحجة تصنيع عبوات ناسفة بداخلها, ووصل الأمر لما يكاد أن يطلق عليه " توازن الرعب " بين إسرائيل وما تمتلكه من قوة عسكرية متطورة وفتاكة الى فلسطينيين لا يمتلكون سوى بضعة صواريخ بدائية الصنع, لقد انقلب السحر على الساحر, فأصبحت نقاط قوة الجيش الإسرائيلي نقاط ضعف, فلا هو قادر على الاستمرار في استخدام الحسم العسكري مفرطاً باستخدام القوة العسكرية الحديثة ذات طبيعة الإبادة, ولا هو قادر على استخدام أسلحة الدمار الشامل(الردع النووي).

وبعد أكثر من ستين عاماً على قيامها بينت التجربة التاريخية بأن امتلاك إسرائيل للقوة العسكرية الهائلة لا تستطيع منحها الأمن والاستقرار, حيث لا تستطيع أية قوة عسكرية مهما عظمت قوتها أن تصادر إرادة شعب وتُكبل حريته.

لقد تبنت إسرائيل في الألفية الجديدة عقيدة عسكرية جديدة مستوحاة من العقيدة الأمريكية في حربها على العراق عام 2003م, وهي تعتمد على الصدمة والرعب وترتكز على الحسم والردع, باستخدام قوة نيرانية هائلة بكافة الأسلحة مرة واحدة وبشكل مفاجئ مع سرعة حسم المعركة بقوة, ومن دون النظر للرأي العام العالمي, لأن كل شيء مباح بالحرب أسوة بالحليف الاستراتيجي الأمريكي وما فعله بالعراق, ومظاهر حروب القرن الحادي والعشرين بالعالم, وهذه كانت سمات الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في تموز 2006م , وعلى غزة 2008م و 2012م على التوالي, والذي اجتمع في هذه الحروب الثلاثة هو هدف إسرائيلي رئيسي تمثل بمحاولة ترميم قدرة الردع الإسرائيلي وإعادة هيبة الجيش الإسرائيلي إزاء اللبنانيين والفلسطينيين.

فنظرية الحرب الإسرائيلية تقوم على اعطاء الأهمية القصوى خلال الحرب لسلاح الجو, لكون أي جانب يبدأ الحرب بضربة جوية يحقق لنفسه مكسباً واضحاً, والجانب الذي يحقق تفوقاً جوياً سيتمتع بالتفوق البارز في كل ما يتعلق بالحرب البرية والبحرية, ومن جهة إسرائيل فان تحقيق التفوق الجوي كان حيوياً لها دائماً لمنع العدو من ضرب المراكز الآهلة بالسكان, وهذا تصور كان قد مر عليه قرابة الخمسة عقود عندما استطاعت إسرائيل أن تحقق الضربة الجوية الأولى خلال 3 ساعات عام 1967م, وعلى هذا الأساس كان التصور الإسرائيلي للحرب يقوم على أن سلاح الجو سيكون قادراً في الساعات الأولى على حسم الحرب وتحقيق الردع عبر اغتيال نائب القائد العام لكتائب القسام(أحمد الجعبري) وتوجيه ضربة قوية لقواعد المقاومة لإعادة الهيبة والاعتبار للردع الإسرائيلي, بعد نجاح المقاومة الفلسطينية في خلخلة صورة الردع الإسرائيلية عبر عملياتها الهجومية النوعية المصورة على حدود قطاع غزة والتي بثتها الفضائيات المختلفة. ولا شيء من تلك الأهداف تحقق, وانعكست نتائج الحرب بشكل اهتزازات ضربت أركان الأمن القومي الإسرائيلي باعتزال وزير الدفاع الإسرائيلي(ايهود باراك) لحياته السياسية, واختلفت آراء المحللين العسكريين والخبراء في وصفها بنصف نصر الى أخرى وصفتها بالهزيمة, وأخرى جزمت بأن إسرائيل خسرت الحرب بكل المعايير والمقاييس العسكرية.

وكانت نتائج الحرب الأخيرة مغايرة ومختلقة عن التوقعات الإسرائيلية, ففيها تم استخدام سلاح الجو بشكل مكثف, والذي طالما أعتبر السلاح الرئيسي والمفضل في الحروب الإسرائيلية الاستباقية, ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح إلا أن إسرائيل لم تستطع تطبيق مفهومها بحسم المعركة, أي تدمير قوات (العدو) واحتلال أراضيه, فهي لم تدمر قوات المقاومة وقواعدها, بل دمرت بعض المواقع والمؤسسات ومنازل المواطنين, وأكدت نتائج الحرب الأخيرة على عدم قدرة سلاح الجو الإسرائيلي مهما بلغ من تسليح واستخدام واسع للتقنيات الحديثة على حسم المعركة, لا سيما إذا كانت تخاض ضد قوة مثل كتائب القسام وسرايا القدس.

وقد أبدعت المقاومة الفلسطينية في صد الهجمة الإسرائيلية على قطاع غزة, والذي يعتبر منطقة معزولة تحدها إسرائيل من الشمال والشرق والبحر الأبيض المتوسط من الغرب ومصر من الجنوب ولا يسمح بانتشار قوات مدرعة مصرية في حدود 120 ميلاً من الحدود الإسرائيلية, لذلك اعتقد القادة الصهاينة أن هذه المنطقة يسهل على القوات الإسرائيلية التغلب علي مفاصلها عسكرياً في حالة الحرب, لكونها محاط بمنطقة شاسعة وعازلة منزوعة السلاح (سيناء) وباقي الجهات تسيطر عليها القوات الإسرائيلية مما لا يعرض العمق الاستراتيجي وحدود إسرائيل  للخطر حسب مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي, لكن المقاومة الفلسطينية استطاعت في حرب الفرقان 2009م, وحرب حجارة السجيل 2012م أن تبطل ذاك المفهوم الأمني الإسرائيلي عندما أصبح قطاع غزة شوكة بحلق الاحتلال غير قادر على بلعه أو كسره أو حتى احتواءه والسيطرة عليه, فقد سجل سلاح الجو الإسرائيلي والبحرية والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية فشلاً ذريعاً في القدرة على اسكات صواريخ القسام التي دكت المدن والمستوطنات الإسرائيلية, وفشلت أيضاً في النيل من القيادة السياسية لحركة حماس والتي جهدت الاستخبارات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة للحرب لتحقيقه, لتصوير المشهد السياسي للحرب بقدرة إسرائيل على اغتيال القائد العسكري للمقاومة لتبدأ به حملتها العسكرية على غزة, وباستطاعتها أن تنهيها باغتيال قائد سياسي كبير, فكان الفشل نصب أعين المعتدي. بل أسهمت حرب نوفمبر 2012م في تحطيم قوة الردع للجيش الإسرائيلي الذي وافق على الوقف المذل لإطلاق النار بدون أن يضع شروطه وطلباته الأمنية على الطاولة, مما شكل سابقه لم تحدث من قبل, فالمقاومة الفلسطينية أثبتت أنها مسلحة بعقيدة صلبة تؤمن بحتمية الانتصار وبالإرادة والعزيمة التي لا تقبل الانكسار. وحققت ما عجزت عنه الجيوش العربية, خاصة بعدما الحق الجيش الإسرائيلي الهزيمة بثلاث جيوش عربية مجتمعة  في ستة أيام عام 1967م.

فحسب قول بنيامين نتنياهو في كتابه (مكان تحت الشمس) بأن " الصواريخ تلحق خسائر وأضرار ولكنها لا تحتل الأرض ولا تحقق النصر بالمعركة"(4), لكن الصواريخ الفلسطينية أثبتت مقدرتها على كبح جماح العدو والحد من غطرسة قواته, عبر لجوء معظم سكان البلدات والمدن الإسرائيلية في الجنوب الفلسطيني المحتل نحو الملاجئ, ورغم قدرة الآلة العسكرية الإسرائيلية على تحقيق ما تصبو إليه العقيدة العسكرية الإسرائيلية من تدمير وحصار وقتل, إلا أن المقاومة الفلسطينية أخذت بالتوازي مع ذلك من وضع تحديات جديدة أمام الأمن القومي الإسرائيلي, عندما استطاعت اختراق العمق الإسرائيلي بتمكنها من قصف المدن الإسرائيلية بالصواريخ, فعاشت البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المجاورة لقطاع غزة أوضاعاً صعبة نتيجة لتعرضها لوابل من الصواريخ محلية الصنع, حيث ألحقت القذائف الصاروخية أضراراً فادحة بتلك البلدات, فهناك مئات الآلاف من الإسرائيليين يسكنون في مدى تلك الصواريخ, وأصبحت إسرائيل عاجزة عن إيجاد حل عملياتي لهذه الصواريخ, فقوة الردع الإسرائيلية أخذت في الأفول أمام تلك الصواريخ البدائية الصنع ,الأمر الذي أدى لانكشاف مؤخرة الجيش الإسرائيلي أمام المقاومة الفلسطينية, وبات عاجزاً عن ممارسة الحسم العسكري, حيث نجحت المقاومة الفلسطينية في إبطال مفعول مبدأ الحدود الآمنة من خلال تمكنها من صناعة وامتلاك الصواريخ  التي طالت القدس وتل أبيب.

 كما أجبرت المقاومة الفلسطينية إسرائيل على خوض حروب صغيرة لا ترغب بها, مما أدى لضعف قدرتها على حسم المعارك العسكرية بسرعة, كما كانت تفعل في حروبها مع الجيوش العربية. فقد استمرت الحرب على غزة في نوفمبر 2012م لمدة ثمانية أيام, لم تستسلم فيها فصائل المقاومة الفلسطينية, ولم تطلب وقفاً للنار, ورغم استخدام إسرائيل كافة أسلحتها المتطورة من طائرات ومدفعية وزوارق حربية, لم تستطع تدمير القدرات العسكرية للخصم (فصائل المقاومة) والذي كان يعتبر في السابق شرطاً أساسياً لتحقيق الحسم الإسرائيلي في المعركة, وكان تدمير قدرات المقاومة العسكرية محدوداً, وبالتالي لم يتم استعادة قوة الردع الإسرائيلية في هذه الحرب بعد فقدانها في الحرب على لبنان صيف 2006م, وغزة 2009م.

لقد بات التهديد التقليدي لهجوم عربي لاحتلال إسرائيل أو إعادة الأراضي المحتلة أمر مستبعد من أي وقت مضى, فالعرب مشغولين بثوراتهم الوهمية وانقساماتهم الفعلية, وأصبح الإسرائيليون مقتنعون بأن الخطر العسكري لإسرائيل لا يكمن في غزو الدبابات وإنما في إطلاق صواريخ أرض- أرض على المؤخرة الإسرائيلية.

والمشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست في الصواريخ بحد ذاتها فطالما امتلكت الأنظمة العربية الصواريخ بأنواعها وأبعادها المختلفة, ولكن المعضلة أمام إسرائيل في من يمتلك الإرادة والقدرة على إطلاق الصواريخ عندما تكون وجهتها إسرائيل, فامتلاك الصواريخ عوض حركات المقاومة عن التفوق الجوي الإسرائيلي وأكسبتها نوع من التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل.

وأثبتت الوقائع الجديدة بأن ميزان القوى العسكري لا يحسم كل شيء في الصراعات المسلحة, فحركة مقاومة مسلحة بعدالة قضيتها ومعبئة من أجل الدفاع عنها, ومسندة بدعم شعبي وتحظى أيضاً بدعم  بعض الدول الإقليمية والدولية, ممكن لها أن تحقق الانتصار. كما أن الطبيعة الديمغرافية للشعب الفلسطيني وحركاته المقاومة شكلت العقبة الرئيسة أمام تحقيق الحلم الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى, ونجحت المقاومة الفلسطينية بجعل المشروع الصهيوني ينكمش ويتقهقر للخلف, مسجلة أوسع حالات التضامن العربي والإسلامي والعالمي مع الشعب الفلسطيني في نيل حقه بالحرية والاستقلال, عبر الاعتراف الأممي بتاريخ 29/11/2012 بفلسطين كدولة مراقب بالأمم المتحدة.

وأثبتت الحروب الإسرائيلية الأخيرة على كل من لبنان عام 2006م, وعلى غزة أواخر 2008م و2012م أن باستطاعة حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية أن تصمد في وجه الآلة العسكرية للجيش الإسرائيلي, بل أنها امتلكت المقدرة على توجيه الضربات العسكرية والمعنوية للمجتمع الإسرائيلي وبالتالي نكون على مشارف سقوط حقيقي لقدرة إسرائيل على الحماية الذاتية وعلى استمرار الحفاظ على منعة جبهتها الداخلية.

فقد فشلت إسرائيل بتطبيقها للنظرية الكلاوزفستية التي تعتبر الحرب جسراً يجب عبوره الى واقع سياسي جديد, ذلك أن عهد الانتصارات العسكرية الإسرائيلية الحاسمة انتهى, ومن الصعب فرض الحل العسكري الإسرائيلي على طبيعة الصراع , والارتكاز على القوة العسكرية الإسرائيلية الهائلة لتحقيق الأمن لم تجدي نفعاً, وبالتالي ضرورة عودة إسرائيل عن غطرسة القوة والإقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة.

وتأكيداً لصوابية القاعدة التي تقول أن إسرائيل عندما تنهي حربا ً فإنها تبدأ بالتحضير للحرب القادمة, كانت حرب غزة 2012م والتي جاءت لإعادة الاعتبار لقوة الردع الإسرائيلية بعد أفولها في حرب لبنان 2006م, وغزة 2009م, حيث تبنت إسرائيل استراتيجية جديدة لردع حزب الله وحماس والجهاد, بمفهوم جديد يطلق عليه الردع التكنيكي, أو الردع في الصراع غير النظامي, وهو يختلف عن الردع الاستراتيجي التقليدي بين الدول والجيوش النظامية, فالردع التكتيكي يجب أن يشمل ردعاً مباشراً للتنظيمات المسلحة, وغير المباشر للدول والسكان الداعمين لها, هذا الردع اتبعت إسرائيل فيه استراتيجية التدمير من خلال استخدام قوة نيران كثيفة جداً وأسلحة محرمة دوليا " الفسفور الأبيض", وتدمير المنشآت الحيوية والبنية التحتية(مبان سكنية وطرقات وجسور).

 وفي ضوء معرفتنا التاريخية لطبيعة الحروب الإسرائيلية السابقة, بات من الضروري أن نحاول استكشاف ملامح وسمات الحرب القادمة والتي قد تكون القدس والاستيطان فيها أهم أسبابها.

وهذه السمات كالتالي :-

- اعتمدت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على استراتيجية المبادرة بالهجوم وشن الحرب, وهذا ما يؤكده قول اسحق رابين "لا يكفي أن تنتصر فقط, يجب أن تدرس الحرب وتفهمها, وأن تتعرف على كل صغيرة وكبيرة وكل نجاح وفشل والاستعداد للحرب القادمة التي لن تكون نسخة طبق الأصل عن سابقتها"(5), ومن هنا تبرز أهمية الهجوم وتحقيق النصر ضمن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي, حيث يركز هذا المفهوم على أن لا تكون الحرب هي حرب اللاخيار أمام إسرائيل, بل ضرورة الاستعداد الدائم للحرب القادمة وخوضها بمبادرة إسرائيلية فقط.

- أثبتت تجارب إسرائيل العسكرية أن ليس بإمكانها الرد على اطلاق صاروخ تقليدي بإلقاء قنبلة نووية, لذلك أضعفت الصواريخ منذ سقوطها على إسرائيل من العراق في عهد صدام حسين عام 1991م وحتى حرب غزة 2012م قدرة الردع الإسرائيلية وعملت على أفولها. لذلك هناك توجهات إسرائيلية للرد على اطلاق الصواريخ لا تقتصر على ضربات سلاح الجو كما كان سابقاً, وإنما الاعتماد مستقبلاً على مثلث استراتيجي للردع, يقوم على ذراع جوية قوية, وعلى قوة صواريخ أرض أرض, وسلاح بحرية قوي, بحيث يكون بإمكانهما جميعاً القيام بالردع, وضرب الأهداف المعادية القريبة والبعيدة.

- تعمل إسرائيل جاهدة للتركيز على الجانب الدفاعي عبر تطوير قدرات الصواريخ المضادة لصواريخ المقاومة الفلسطينية والتي عرفت بنظام (القبة الحديدية), ولكن اذا استطاعت إسرائيل تحصين اسديروت اليوم, فإنها بعد ذلك ستعمل على تحصين عسقلان غداً, أو لربما تل أبيب بعد غد.

- في سياق الحرب الإسرائيلية على حركات المقاومة الفلسطينية يتضح أن العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي  تهدف في حروبها المستقبلية على هذه الحركات الى "اسقاط أكبر قدر ممكن من المدنيين بهدف الضغط على حركات المقاومة من أجل التخلي عن المقاومة بالسلاح, وذلك في سياق ضرب النسيج الاجتماعي الحاضن للمقاومة بعد فشلها بإضعافه بالتجويع والحصار الاقتصادي"( 6).

- ستختلف الحرب القادمة بقيام إسرائيل بمحاولتها احتلال أراضي عبر السيطرة على مفاصل الطرق بقطاع غزة, وإقامة مواقع عسكرية مؤقتة, ومحاولة فرض الشروط والإملاءات على القيادة الفلسطينية لإخلائها لاحقاً.

لذلك ينبغي على المقاومة الفلسطينية ضرورة إيجاد توازن بين الاستعداد للمستقبل وبين الجاهزية في الحاضر, وأن تعمد لبناء استراتيجية دفاعية تقوم على عدة أركان منها :

- التسليح المتطور نوعاً والكبير كماً, وبخاصة في مجال الصواريخ قصيرة المدى ومتوسطة المدى.

- تجهيز وتأهيل المقاتلين على الأسلحة المضادة للدروع والعبوات والألغام الأرضية.

- تدريب عالي المستوى على كيفية إدارة حرب العصابات.

- التوسع في بناء التحصينات الدفاعية والأنفاق تحت الأرض, ومخازن الأسلحة على نحو يُجنبها     خطر القصف الجوي.

- القيام ببناء وحدة اتصالات خاصة تتسم بالتقنية عالية المستوى بالاستفادة من تجربة حزب الله على هذا الصعيد.

ويجب أن تشهد المرحلة الراهنة جهوداً فاعلة ومتواصلة من قبل القيادة السياسية الفلسطينية لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني, عبر بناء استراتيجية وطنية موحدة لمنظمة التحرير الفلسطينية تلتف حولها الفصائل الفلسطينية بمختلف تلاوينها الحزبية الإسلامية والوطنية, وحشد أوسع تحالفات دولية وإقليمية مع القضية الفلسطينية, وحينها ستدافع المقاومة الفلسطينية عن شعبها وتنتصر.

 

المراجع

 

1- ليفرن, ا.(2001): أفول قدرة الردع الاسرائيلية, ترجمة سعيد عياش, المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية, رام الله.

2- رودمان, د.( 2001): "النظرية الأمنية الاسرائيلية", مجلة مركز التخطيط الفلسطيني, العدد الثالث والرابع, يوليو- ديسمبر.

3- آلون, إ، وآخرون(1983): تطور العقيدة العسكرية الإسرائيلية خلال 35 عاماً, إعداد سمير الجبور, مؤسسة الدراسات الفلسطينية, قبرص.

4- نتنياهو, ب.( 1999): مكان تحت الشمس، ترجمة محمد عودة الدويري، دار الجليل للنشر، عمان.

5- رابين, ا.( 1993): مذكرات اسحق رابين, ط1. دار الجليل للنشر, عمان.

6- جبريل, ا.(2009):" تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة", مجلة شؤون عربية, 137,ص ص 41-57.

ملفات مرفقة :

 للتواصل والاستفسار :

 مسؤول الموقع : أحمد الطيبي   -بريد الكتروني : ahmed@ppc-plo.ps   - جوال :0597666543  

  

فيديو

مواضيع مميزة

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

دائرة العمل والتخطيط بمنظمة التحرير تناقش خطتها للمرحلة القادمة

ناقشت دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني بمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماع ترأسه رئيس الدائرة د. أحمد ..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

كتاب منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والاستراتيجية

كتاب منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والاستراتيجية المتغيرات المستقبلية في النهج السياسي الفلسطي..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والإستراتيجية

منتدى غزة العاشر للدراسات السياسية والإستراتيجية تحت عنوان المتغيرات المستقبلية في النهج السياسي ال..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

قانون الجنسية الإسرائيلي ويهودية الدولة

ورشة عمل الثلاثاء 18/7/2017..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

تضامنا مع الأسرى

الحرية لأسرى الحرية..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

كتاب منتدى غزة التاسع للدراسات السياسية والاستراتيجية

كتاب منتدى غزة التاسع للدراسات السياسية والاستراتيجية القضية الفلسطينية في بيئة اقليمية متغيرة الت..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

منتدى غزة التاسع للدراسات السياسية والاستراتيجية

القضية الفلسطينية في بيئة اقليمية متغيرة التطورات والتداعيات..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

مركز التخطيط الفلسطيني و مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية يبحثان التعاون وتعزيز العلاقات

التقى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية احمد مجدلاني مدير مركز التخطيط الفلسطيني ، مع م..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

مجلة المركز عدد 45

مجلة دراسيـة فصليـة متخصصــة بالشؤون الفلسطينية وكل ما يتعلق بها،تصدر عن مركـز التخطيط الفلسطيني. ت..

الباحث : د. خالد شعبان

الدكتور خالد شعبان مشرفا لرسالة ماجستير في جامعة الازهر

مناقشة رسالة الباحث اكرم قشطة والتي عنوانها "سياسة دول مجلس التعاون الخليجي تجاه البرنامج النووي الا..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

منتدى غزة الثامن للدراسات السياسية والاستراتيجية - القسم الثاني

نحو كسب التأييد الدولي من اجل القضية الفلسطينية..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

مشاركة مركز التخطيط الفسطيني في مؤتمر قطاع غزة الواقع وافاق المستقبل

مشاركة مركز التخطيط الفسطيني في مؤتمر قطاع غزة الواقع وافاق المستقبل الذي نظمته كلية الاداب - جامعة..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

الحياة برس : "الديمقراطية وحقوق الإنسان ” دورة يعقدها مركز التخطيط الفلسطيني

مقال للحياة برس..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

ورشة عمل حول الجذور الفكرية لحركة داعش

حلقة نقاش حول الجذور الفكرية لحركة داعش..

الباحث : أ.غادة حجازي

الافطار الجماعي الذي أقامه مركز التخطيط الفلسطيني بالتعاون مع مؤسسة فريدرش ايبرت الألمانية

..

الباحث : أ.غادة حجازي

زيارة مركز التخطيط الفلسطيني للهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون -غزة

..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

منتدى غزة الثامن للدراسات السياسية والاستراتيجية

التحولات في النهج السياسي الفلسطيني..

الباحث : أ.غادة حجازي

مهرجان ايام العودة السينمائي

اليوم الثاني - قاعة الهلال الأحمر بمدينة خانيونس..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

الدكتور خالد شعبان ضيف برنامج بانوراما الساعة

الدكتور خالد شعبان ضيف برنامج بانوراما الساعة - تلفزيون فلسطين 12/5/2015..

الباحث : مركز التخطيط الفلسطيني

ورشة عمل حول قطاع غزة والمصالحة الفلسطينية

قطاع غزة والمصالحة الفلسطينية، في ضوء التقارب السعودي المصري..