دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني

المحطة الثانية: تأسيس حركة فتح و منظمةالتحرير الفلسطينية وإعلان انطلاق الكفاح المسلح

في الكويت وتأسيس حركة
تغير الجو السياسي في مصر بعد انتهاء حرب السويس 1956 وفشل العدوان الثلاثي: فقد أعاد بن غوريون سيناء وقطاع غزة لعبد الناصر، و أصبحت السلطات العسكرية المصرية تراقب بحزم التيارات الفلسطينية "الراديكالية"، فقررياسرعرفات السفرإلى الكويت حيث توفر الثروة النفطية فيها العديد من فرص العمل، وفيها جالية مهمة من فلسطينيي الشتات (الآلاف من اللاجئين الذين يعملون في شتى المهن).
استقرعرفات في الكويت عام 1957وعمل في البداية مهندسا في وزارة الأشغال العامة، ثم تشارك مع رجل أعمال هوالمهندس المصري عبد المعز الخطيب وأنشأمعه شركة للبناء نجحت بشكل كبير فتحسنت أوضاعه المادية كيثرا، لكنه كان أيضا يكرس الكثيرمن وقته لنشاطاته السياسية السرية.وفي أواخر العام 1957عقد لقاء في الكويت ضم ستة أشخاص هم : ياسر عرفات وخليل الوزير وعادل عبدالكريم ويوسف عميرة وتوفيق شديد وعبد الله الدنان الذي لم يشارك في الاجتماعات اللاحقة ثم تبعه توفيق شديد في الانقطاع عن حضور الاجتماعات التاسيسية للحركة ،وكانت تلك الاجتماعات هي اللبنات المؤسسة للحركة وفي اللقاء التأسيسي الأول لحركة ( فتح ) ، صاغ المؤسسون ما سمي ( هيكل البناء الثوري ) و(بيان حركتنا ) واتفقوا على اسم الحركة كما يقول عرفات: "هي حركة التحريرالوطني الفلسطيني واختصارها حتوف،وهي كلمة ليست مناسبة ،حذفنا الواو فأصبحت "حتف" وهي ليست مناسبة لأن شعارنا ثورة حتى النصر وليست ثورة حتى الاستشهاد،ولذلك قلبنا الحتف فصارت"فتح".. ثورة حتى النصر المبين "
وكان الهدف بسيطا ولا ينطوي على أية اعتبارات اجتماعية أو إيديولوجية، فقد اقتصرعلى "تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح". لقد ملّ الفلسطينيون من الخطابات: " نحن الفلسطينيين نريد دولة مستقلة وذات سيادة، ولهذا يتوجب علينا أن نحررها بالقوة. لا يوجد طريق آخر أمامنا".
وبمبادرة من خليل الوزير وياسرعرفات تم إصدار صحيفة شهرية في تشرين الأول 1959 هي "فلسطيننا - نداء الحياة"التي طبعت ووزعت في لبنان ودول الخليج العربية والجزائر ،لكنها كانت توزع سرا بين الفلسطينيين في سورية ومصر والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة والعراق .
قامت مجلة ( فلسطيننا ) بمهمة التعريف بحركة فتح ونشر فكرها ما بين 1959 – 1964 واستقطبت من خلالها العديد من أعضاء المجموعات التنظيمية الثورية الأخرى ، فانضم في تلك الفترة كل من عبد الفتاح حمود ،صلاح خلف ،محمود عباس ،ماجد أبو شرار ،سليم الزعنون،أحمد قريع ،فاروق قدومي ،صخر حبش ،هاني الحسن ،هايل عبد الحميد ،يحيى عاشور ،زكريا عبد الحميد ،سميح أبو كويك وعباس زكي وغيرهم الكثير إلى صفوف الحركة الناشئة .
ولإدراكه للدور الذي يجب أن تلعبه المنظمات الطلابية أسس عرفات الإتحاد العام لطلاب فلسطين في 29تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1959.
في الجزائر
بعد انتصار الثورة الجزائرية في 1962 وبعد تشكيل رئيس الجمهورية المنتخب أحمد بن بيلا أول حكومة للجزائر الحرة ، دعت القيادة الجزائرية جمال عرفات "الشقيق الأكبر لياسر " إلى زيارة الجزائر عرفانا له بما كان قدمه لاشخاصهم ولعائلاتهم وللثورة الجزائرية في أيام نضالهم وتواجدهم في مصر أو في السجون. وعرضوا عليه وظيفة مستشار لشؤون القضية الفلسطينية في الحكومة الجزائرية وقبلها.
وفي العام التالي 1963اصطحب ياسر عرفات رفيق دربه خليل الوزير في زيارة إلى الجزائر وقدمهما جمال عرفات إلى أحمد بن بيلا ومحمد خيض، و كانت مكاتبهما في نفس المبنى الحكومي الذي فيه مكتب جمال .وحظي الوفد الفلسطيني بدعم كبير في عدة مجالات من القيادة الجزائرية . واسندت" فتح" إلى جمال عرفات مهمة تمثيلها في الجزائرقبل تكليف خليل الوزير بعد ذلك بأشهر بهذه المهمة ، وكان مكتبها في الجزائر أول مكتب رسمي للحركة في الدول العربية .
وفي آذار /مارس من العام 1964 وبدعم من الجزائرسافر ياسرعرفات وخليل الوزير إلى بكين بدعوة من القيادة الصينية . وكانت المقابلة بمثابة انتصار مهم لـ "فتح"،ومع أن الصينيين نصحوا عرفات بالتريث قبل الدخول في الكفاح المسلح إلا أنه تلقى وعدا منهم بالحصول على مساعدتهم بمجرد اندلاع المعارك الأولى .
منظمة التحرير الفلسطينية
واصل عرفات ورفاقه في "فتح" نشاطاتهم وتحركاتهم واتصالاتهم تحضيرا لبدء مرحلة الكفاح المسلح. وفي اجتماع عقد بالكويت في شباط /فبراير 1963 انتخب فيه الأعضاء العشرة للجنة الـمركزية لحركة "فتح"،كان عرفات في طليعتهم و متحمساً لانطلاق الكفاح الـمسلح، ولكنه كان يشكل مع مؤيدي هذا الرأي أقلية : فقد وقفت الأغلبية مع خالد الحسن الـمعتدل، الـمؤيد لفكرة التريث،على أمل الحصول على دعم البلدان العربية.
وفي غضون ذلك عقد جمال عبد الناصرفي القاهرة أول مؤتمر قمة عربية في كانون الثاني/يناير من العام 1964، ومن ضمن ما تمخضت عنه القمة قرارا ينص على " دعم الكيان الفلسطيني" على الصعيدين السياسي والعسكري من خلال إنشاء مؤسستين هما: منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني.وتم اختيار أحمد الشقيري ممثل فلسطين لدى جامعة الدول العربية لمتابعة القرار،ودعا الشقيري إلى عقد المؤتمر التاسيسي لمنظمة التحرير ـ المجلس الوطني الفلسطيني- من 28 أيار /مايو إلى 2 حزيران /يونيو 1964 في القدس، التي كانت خاضعة للسيادة الأردنية منذ جرى ضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية في العام 1949.
حضر ياسرعرفات وخالد الحسن المؤتمر كممثلين عن الفلسطينيين في الكويت وكمال عدوان ممثلا للفلسطينيين في قطر، وأحمد أبو ستة ممثلا للفلسطينيين في القاهرة.. وخليل الوزير ممثلا للفلسطينيين في الجزائر.وخرج المؤتمر بوثيقة مهمة بالنسبة للرأي العام الفلسطيني هي: الـميثاق القومي الفلسطيني الذي عدله الفدائيون في العام 1968 وأصبح يدعى:الميثاق الوطني الفلسطيني.
الإنطلاقة المسلحة
بعد دخول المشروع الإسرائيلي لتحويل مياه نهر الارن حيز التنفيذ في صيف 1964 حاول عرفات تسريع البدء في الكفاح الـمسلح. اتصل بالجزائريين، الذين وعدوه بتدريب مقاتليه، وبالصينيين، الذين وعدوه بالأسلحة. ثم اتجه نحو البعثيين السوريين، وفتحت دمشق أبوابها لعرفات و"فتح"لتصبح سورية البلد الثاني الذي يستقبل مكتبا لـ"فتح"بعد الجزائر. وتصدرت مسألة التزود بالسلاح اهتمامات ياسر عرفات في هذه المرحلة.
واعتقل عرفات في سورية اثناء قيامه بنقل أصابع ديناميت من لبنان إلى الأردن. وتدخل رجل الإرتباط بين " فتح" والسلطات السوريةوهو العقيد أحمد السويداني، رئيس الإستخبارات العسكرية السورية"المؤيد المتحمس للعمليات الفدائية" للافراج عن عرفات،وكان هذا الضابط أقام اتصالا دائما بعرفات، الـمقيم في بيروت آنذاك في معظم الأحيان .
كما اقامت" فتح" سراعددا من وحدات تصنيع القنابل الصغيرة في الضفة الغربية .
وفي نهاية آب 1964، اجتمع الـمجلس العسكري لـ "فتح" برئاسة عرفات للبحث في انطلاق العمل العسكري ، ولم يتمكن عرفات من إقناع الحاضرين بوجوب بدء الكفاح الـمسلح بأسرع وقت ممكن.و لم يحسم الامر أيضا في اجتماع للجنة المركزية لـ"فتح" عقد في شهر تشرين الثاني /نوفمبرمن نفس السنة . ولكن في اجتماع لقادة الحركة عقد في عمان في نفس الشهر"تشرين الثاني /نوفمبر" تم التوافق على بدء الكفاح المسلح بأسرع وقت ، وفي نهاية كلمته أمام الاجتماع أطلق ياسر عبارته الشهيرة " وإنها لثورة حتى النصر".وتم تحديد الساعة الحادية عشرة مساء يوم 31كانون الأول /ديسمبر 1964 موعدا للعملية العسكرية الأولى "عملية عيلبون "، وكتب عرفات وخليل الوزير بلاغ العملية ووزعاه على صناديق بريد الصحف والمؤسسات الإعلاميةوالأحزاب في بيروت.وحمل البيان توقيع جهة غير معروفة حينها"العاصفة"وهي الجناح المسلح لحركة التحرير الوطني الفلسطيني .
واعتمدت الثورة الفلسطينية بعد ذلك تاريخ الأول من كانون الثاني /يناير من كل عام للاحتفال بإنطلاق الكفاح المسلح لتحرير فلسطين .
وتواصلت العمليات الفدائية بعد ذلك ،وعندما ضغطت مشكلة تأمين الموارد المالية على "فتح" قام ياسرعرفات بتصفية أعماله في الكويت للمساعدة في تمويل الحركة ، وانتخب قائدا عسكريا للحركة بعد أن اضطر أبو يوسف النجار إلى ترك موقعه ليعمل من أجل تامين نفقات أسرته الكثيرة العدد.
وتعززت علاقات عرفات خلال العامين 1965ـ1966 مع القيادة السورية، وعندما وقع انقلاب الراديكاليين البعثيين في دمشق في شباط/فبراير 1966 زادت متانة العلاقات بين السلطات السورية و" فتح " ،وقدم حافظ الأسد الذي كان قائدا للقوات الجوية حينها دعما عسكريا كبيرا للحركة "تسليحا وتدريبا"، وكذلك إعلاميا حيث أصبحت إذاعة فلسطين من دمشق هي التي تبث بلاغات وبيانات العاصفة ،و كان ياسرعرفات هو الذي يحملها مباشرة إلى المسؤول عن الإذاعة .ولكن شهر العسل لم يدم طويلا بين الجانبين ..فقد كانت السوريون يرفضون أن يقوم الفدائيون بأي نشاط دون موافقتهم ، وهذا يتعارض مع النزعة الاستقلالية التي كانت "فتح" تصر عليها . وهكذا اعتقل ياسر عرفات لأيام لأن دمشق اشتبهت في اشتراكه بعملية تخريب خط االأنابيب الذي ينقل النفط من السعودية عبر سورية والأردن .ثم اعتقل عرفات وخليل الوزير " ابوجهاد" وعشرة أخرين من مناضلي "فتح" بعد مقتل يوسف عرابي البعثي الفلسطيني والذي كان ضابطا في الجيش السوري .
وكبادرة حسن نية تجاه دمشق قررت "فتح" تعليق نشاط الذين اعتقلوا .لكن ياسر سرعان ما أقنع قيادة الحركة باستئناف نشاطه للقيام بعملية فدائية ضد إسرائيل .غيرأنه اعتقل مع مجموعته على يد قوات الأمن البنانية لمدة ثلاثة أسابيع .
وتصاعدت وتيرة العمليات الفدائية في العام 1966 خاصة تلك التي تنطلق من أراضي الضفة الغربية التي كانت خاضعة للسيادة الأردنية .ومع تحسن العلاقات بين مصر وسورية استفادت "فتح" من ذلك واصبحت إذاعة القاهرة وإذاعة صوت العرب تبثان بلاغات "لعاصفة"إضافة إلى إذاعة دمشق .
حرب 1967..النكسة
عند وقوع العدوان الإسرائيلي على الدول العربية في الخامس من حزيران/يونيو 1967 عقد ياسراجتماعا للقيادة العسكرية الفلسطينية وتقررفيه المشاركة في الحرب، وتوجهت وحدات من الفدائيين إلى هضية الجولان.
و عندما سمع عبر الإذاعة صوت جمال عبد الناصر معلنا الهزيمة والنكسة واستقالته في اليوم السادس للحرب ، قال عرفات " كأن صاعقة ضربتني".ولكنه لم يتأخرعن التحرك لمواجهة الوضع الجديد مع سقوط بقية فلسطين" الضفة الغربية وقطاع غزة " وسيناء والجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي .
وقررت قيادة "فتح" بضغط من عرفات و"أبوجهاد" استئناف الكفاح المسلح ،وتقرر أيضا نقل مقر قيادة الفدائيين إلى الأرض المحتلة .
وفعلا دخل عرفات إلى الأرض المحتلة في تموز/يوليو 1967 عبر نهر الاردن بهدف تقييم الأوضاع والإشراف على سير العمليات. ونفذت العملية الفدائية الأولى بعد الحرب يوم 31آب/اغسطس 1967 . واتجه عرفات أولاً مع ثلاثة ضباط نحو جنين، شمال الضفة الغربية ثم التجأ إلى كهف يقع في محيط بلدتي طوباس وقباطية، وأقام فيه أول مركز للقيادة، ثم توجه بعد ذلك إلى منطقة طولكرم، وأقام في مكان قريب من دير الغصون.راح ينظم خلايا من الـمقاتلين في كل مكان يحل فيه، ويرسل أكثرهم براعة في دورة تدريبية مكثفة في سورية، التي كان التعاون معها في هذا الـميدان وثيقاً. وفي نابلس، شمالا، أنشأ مركز نشاطات لـ "فتح". واكتشفت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مخبأه و اقتحم جيش الاحتلال فجأة الشقة التي كان يقيم فيها، لكنه كان غادرها قبل ذلك بوقت قليل.توجه عرفات من نابلس إلى رام الله وأقام في البيت رقم 6 في شارع الاخوة قرب مطعم نعوم الشهير وقتها. وتركها قبل وقت قليل أيضا من اقتحام جنود جيش الاحتلال لها حيث اعتقلوا حينها فيصل الحسيني الذي كان قادما للقاء عرفات.وانتقل ياسرعرفات ليقيم في بيت رقم 4 في شارع "سانت مارك" في القدس. وظلت قوات الاحتلال تطارده،فاقتحمت البيت رقم 4 لكنها لم تعثر إلا على أسلحة وخمسة مقاتلين . كان ياسرعرفات قد غادرإلى بيت لحم حيث كان على موعد مع كوادر من "فتح"..وهنا أيضا في بيت لحم أفلت من الإعتقال. وتوجه عرفات خلا ل تواجده في الأرض المحتلة إلى الخليل ووصل يافا أيضا.
قرر عرفات مغادرة المنطقة بعد تزايد حملات الاعتقال وملاحقة قوات الاحتلال له. وتوجه إلى الأردن حيث أقامت"فتح" بعد حرب حزيران /يونيو 1967قواعد لها خاصة في منطقة الأغوار الملاصقة لنهر الاردن.
معركة الكرامة
وفي 21 آذار/ مارس 1968 تلقى ياسر عرفات ما أسماه" هدية من السماء" فقد انفجر لغم على طريق مدينة إيلات أدى إلى مقتل طالبين إسرائيليين وجرح ثلاثين آخرين، فقررت إسرائيل الرد بعملية انتقامية كبيرة. كان الهدف قرية الكرامة في الأردن، التي يقيم عرفات مقر قيادته فيها وحيث تتحصن"فتح".
حشدت إسرائيل قوات كبيرة من الـمشاة والـمظليين والدبابات والطائرات. كان الهدف بالنسبة لإسرائيل ليس فقط القضاء على الفدائيين و تدمير معسكراتهم وبنيتهم التحتية،بل أيضا القضاء على ياسرعرفات، بأي ثمن.
لـم يباغت الطرف الفلسطيني بهذه العملية : فقد ألقت طائرات إسرائيلية" مناشير"على الكرامة تدعوا الـمقاتلين إلى الإستسلام، وكان الفلسطينيون يرون على الجهة المقابلة من نهر الأردن القوات الإسرائيلية وهي تتهيأ للهجوم .ولكن القيادة الفلسطينية اتخذت قرارابالصمود ومواجهة القوات الإسرائيلية وقتالها باقصى قوة.
شارك الطيران الإسرائيلي بكثافة في تلك العملية،وألقى 180 طنا من القنابل ونحو مئة صاروخ.
أوقعت العملية 128 شهيدا وعشرات الجرحى في الجانب الفلسطيني، ووقع في الأسرالإسرائيلي 150 فدائيا، وانضمت وحدات من الجيش الأردني للقتال إلى جانب الفدائيين ،وسقط 61 شهيدا ونحو مئة جريح من افراد الجيش الأردني .
وفي الجانب الإسرائيلي، خسرالجيش طائرة،واضطر إلى ترك أربع دبابات في أرض الـمعركة، بالإضافة إلى مقتل 30 جنديا وجرح نحو 80 آخرين.
وكانت وحدة خاصة من قوات الـمظليين مكلفة، إلى جانب مهمتها منع الفدائيين من الإنسحاب، بملاحقة عرفات على وجه الخصوص. غير أن الخطة التي أُعدت للإمساك به أو اغتياله فشلت .
برغم فداحة الخسائرالفلسطينية والأردنية إلا أن الـمعركة سجلت تحولا مهما : فقد كبد الفلسطينيون الإسرائيليين فشلا رمزيا ذريعا، وقد أدركوا هذا الأمر جيدا. لقد تحطمت اسطورة الجيش الذي لايقهر. وتحولت جنازة الفدائيين إلشهداء في عمان إلى تظاهرات عارمة شارك فيها أكثر من 60 ألف شخص.
وقال عرفات أمام حشد من مقاتليه:"هؤلاء هم أبناء اللاجئين الذين كانوا يتسولون من الأونروا كيس طحين وحفنة فاصولياء ولحافا، قد تحولوا إلى مقاتلين، يسطرون أمام أعين العالـم العربي تاريخ فلسطين."
هذه العملية، التي أعادت الكرامة إلى الفلسطينيين، شجعت آلاف الشبان على الإنضمام إلى الحركة وأصبح من الصعب على " فتح" أن تستوعب الأعداد الهائلة من الـمتطوعين للعمل الفدائي فلسطينيين وعربا وآخرين ... وتدفقت التبرعات : نقود، ثياب، طعام ... وقررت قيادة "فتح"، وللـمرة الأولى، أن تخرق قانون السرية وأن تكشف عن إسم أحد قادتها.
ونشرت بعد نحو ثلاثة أسابيع على معركة الكرامة يوم 14 نيسان/أبريل بيانا مقتضبا في دمشق أعلنت فيه تعيين ياسرعرفات متحدثا رسميا باسم الحركة، وفي بداية شهر آب/ أغسطس من نفس السنة صادق المؤتمر العام لحركة" فتح" الذي عقد في سورية على تعيين ياسرعرفات ناطقا وممثلا رسميا وقائدا عاما لقوات العاصفة ، وعلى تعيين خليل الوزيرنائبا له.
وبعد معركة الكرامة ازدادت مكانة عرفات علوا وشاع إسمه في العالم أجمع.
الدخول إلى منظمة التحرير
بعد هزيمة 1967 تزايدت الضغوط على رئيس اللجنة التنفذية لمنظمة التحرير أحمد الشقيري الذي قدم استقالته في نهاية كانون الأول/ديسمبر1967 . وانتخب خصمه الوطني اليساري المحامي يحيى حمودة خلفا له .
في تموز/يوليو 1968، عقد الـمجلس الوطني الفلسطيني دورته الرابعة - الأولى بعد حرب حزيران/يونيو 1967- في القاهرة، فاكتسح ممثلو المنظمات الفدائية معظم مقاعده : ثمانية وستون من النواب الـمئة ينتمون إلى "حملة البنادق"،و حظي الاتجاه االثوري النقي الـمعادي لأية تسوية سلـمية بدعم جيل الشباب الذي تسلـم دفة القيادة. وانتهز "الـمقاتلون " - ومنهم عرفات- الفرصة لإدخال تعديلات تنسجم مع هذا الاتجاه ولتغييرإسم الـميثاق، أي صيغة الشقيري، من "الميثاق القومي الفلسطيني "، إلى "الميثاق الوطني الفلسطيني ".
وفي تموز/يوليو من نفس السنة 1968 زار ياسر عرفات موسكو ضمن وفد مصري برئاسة جمال عبد الناصر ، وتمكن من الحصول على مساعدة عسكرية سوفيتية بقيمة نصف مليون دولار.
ومع تصاعد نفوذ ونجم ياسر عرفات بالتوازي مع تصاعد شعبية ومكانة حركة "فتح"و الفدائيين والكفاح المسلح، كان من البديهي أن يتم ترشيحه في الـمجلس الوطني الفلسطيني الخامس (1-4 شباط/فبراير 1969) رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير،وكان هو الـمرشح الوحيد للمنصب. وأكد عرفات في خطابه أمام هذه الدورة للمجلس أن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى إقامة مجتمع ديمقراطي وحر لكل الفلسطينيين، سواء أكانوا مسلـمين أو مسيحيين أو يهودا،وأن إقامة هذه الدولة هو الهدف الاستراتيجي لـمنظمة التحرير الفلسطينية .
في نهاية 1969، نشرت مجلة "تايم" الأميركية صورته على الغلاف، ومنحته لقب "رجل العام ". أصبح هذا " الغيفارا" الجديد "ياسر عرفات بكوفيته الشهيرة"بطلا في نظر شعوب ومناصري قضايا العالم الثالث، واليسار، والثوريين في أوروبا وباقي أنحاء العالم .
وفي القمة العربية الخامسة التي عقدت في الرباط"21-23كانون الأول/ديسمبر 1969 تكرست مكانة عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية على الساحة العربية والدولية، واحتفت به القمة احتفاءها بالأبطال ، استقبله رئيسها العاهل المغربي الملك الحسن الثاني في المطار وكرمه كا يكرم زعماء الدول، واستقبلته الجماهير في الشوارع بحفاوة بالغة ،ولأول مرة وضع مقعد رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في الصف الأول على قدم المساواة مع رؤساء وملوك الدول العربية الأخرى، ومنحت المنظمة حق التصويت في القمة.
أحداث أيلول/سبتمبر1970في الأردن
كان عرفات حريصا على توجيه السلاح الفلسطيني ضد الاحتلال والعدو الإسرائيلي فقط ،وكان يحرص على الحصول على الدعم العربي لنضال الفدائيين وعدم التصادم مع السلطات في الدول التي تنطلق منها العمليات: الأردن وسورية ولبنان. ولكن على الأرض كانت تحدث ممارسات وصدامات على عكس رغبة عرفات وخلافا لقرار وشعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، خاصة من قبل تنظيمات أخرى غير"فتح" أو من قلة من عناصر"فتح"أو من جانب المخابرات الأردنية أومن عناصر عميلة نجحت الاستخبارات الإسرائيلية في دسها بين صفوف المقاتلين الفلسطينيين، فتصاعد التوتر إلى درجة كبيرة،وتكررت الصدامات بين مسلحين فلسطينيين وقوات الجيش الأردني ،وتدهور الموقف كثيرا في شباط /فبراير1970ثم في حزيران/يونيو من نفس السنة حين أسفرت المداهمات التي نفذها الجيش الأردني في المخيمات خاصة مخيم الوحدات عن سقوط مئات القتلى .وفي آب/أغسطس 1970اشتبك الفدائيون في معارك دموية مع الجيش الأردني.وفي 6 أيلول/سبتمبر اختطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش ثلاث طائرات تملكها شركات غربية ونسفتها بعد اطلاق ركابها في مدرج قرب مدينة الزرقاء في الأردن.فغضب عرفات وقرر تعليق عضوية الجبهة في اللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية لكن هذا الإجراء لم يوقف التدهور. ومع تشكيل الملك حسين يوم 16أيلول/سبتمبر حكومة عسكرية برئاسة الفريق محمد داوود شعر عرفات بحجم الكارثة المنتظرة وطلب تدخل القادة العرب لوقف خطة تصفية المقاومة الفلسطينية .لكن الوقت كان قد فات ..ففي اليوم التالي 17 أيلول/سبتمبر 1970 بدأ الجيش الأردني هجوما واسعا على مواقع المقاتلين الفلسطينيين واقتحم الجنود مقر قيادة " فتح "في جبل الحسين بعمان ،وكان عرفات في غرفة العمليات في موقع قريب يحاول الاتصال بالملك لوقف القتال، ولكن دون جدوى .وجد عرفات أن الاتصال بجمال عبد الناصر كان أسهل من الاتصال بالملك حسين ، فطلب من الرئيس المصري التدخل لوقف المعارك وإراقة الدماء. واشتد الموقف صعوبة وأصبح الخطر يتهدد حياة ياسر عرفات شخصيا، فتحصن عرفات في بيت في جبل اللويبدة ونجا من الموت هناك حيث غادر قبل لحظات من قصف مدفعي أردني للبيت، ثم نجا مرة أخرى حين سقطت قذيفة على الملجأ الذي كان يتحصن فيه مع خليل الوزير ونايف حواتمة الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وتواصلت المجازر وسقط اكثر من 3500شهيد وآلاف الجرحى والأسرى .وعقدت قمة عربية استثنائية يوم 21أيلول/سبتمبر في القاهرة ، وأرسلت القمة ثلاثة مبعوثين إلى الأردن هم الرئيس السوداني جعفر النميري ورئيس الوزراء التونسي الباهي الأدغم ووزير الدفاع الكويتي سعد العبد الله .وتمكنوا بعد صعوبات بالغة من الاجتماع مع ياسر عرفات في السفارة المصرية بعمان.وفي يوم الجمعة 25أيلول أعلنت الإذاعة الأردنية أن عرفات والنميري وحسين اتفقوا على وقف النار.ونجح عرفات في الإفلات من عيون أجهزة الأمن الأردنية التي كانت تترصده،و تعذرعليها التعرف عليه وهو يرتدي الثياب الخليجية التي زوده بها الشيخ سعد العبد الله، وسافرعرفات مع الوفد الثلاثي من مطارعمان إلى القاهرة ليلحق بهم بعد ذلك الملك حسين حين علم بمغادرة عرفات ووصوله القاهرة.
وقع عرفات مع الملك حسين بإشراف 8 دول عربية اتفاق وقف النار يوم 27أيلول/سبتمبر. وفي اليوم التالي وصل ياسر عرفات إلى دمشق حيث سمع نبأ وفاة جمال عبد الناصر الذي كان قد وقف بقوة معه ومع الثورة الفلسطينية خاصة في الأيام الاخيرة.انهار عرفات وأجهش بالبكاء.
وبغياب عبد الناصر زادت صعوبات مهمة ياسر عرفات في ضبط تطورات العلاقة مع السلطات الاردنية، وتواصل تفاقم الامور إلى أن أكمل الجيش الأردني تدمير القواعد الاخيرة للفدائيين في في قطاع جرش- عجلون في تموز/ يوليو 1971 .واستشهد أكثر من ألف من الفدائيين في ذلك القطاع ، وبينهم وليد أحمد نمر المعروف بـ"أبو علي إياد "عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأحد رفاق درب ياسر عرفات.
وصل عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف وغيرهم إلى سورية ولبنان، حيث قرر عرفات مواصلة النضال وإعادة البناء رغم كارثة"أيلول الأسود" في الأردن.
الانتقال إلى لبنان
كان عرفات قد نجح في العام 1968 في إقامة قواعد لحركة "فتح "في منطقة العرقوب بجنوب لبنان، وأطلقت إسرائيل على تلك المنطقة إسم " فتح لاند" (أرض فتح)، ومنها كانت تنطلق عمليات فدائية إلى فلسطين المحتلة"إسرائيل".
ووقعت مواجهات وصدامات بين الفدائيين والجيش اللبناني إلى أن وقع ياسرعرفات مع قائد الجيش اللبناني العماد إميل البستاني" إتفاقية القاهرة" يوم 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1969 برعاية الرئيس جمال عبد الناصر . واتسمت الإتفاقية بمرونة مكنت منظمة التحريرمن العمل بجنوب لبنان وبموجبها أيضا أصبحت المنظمة مسؤولة عن أمن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والذين كان عددهم يزيدحينها عن 250 الف شخص محشورين في مخيمات وظروف بائسة جدا.وبعد خروج الثورة الفلسطينية من الأردن لم يكن أمام الفدائيين إلا العمل من لبنان.وبدأ عرفات ينظم العمل العسكري فيه ويحاول تعويض ما خسره في الأردن من أسلحة ومعدات .
ونشط عرفات ورفاقه على كافة الأصعدة في لبنان حيث ترجع علاقاته فيه إلى ما قبل انطلاق الثورة الفلسطينية.
وتعززت في هذه المرحلة بين ( 1971-1973 )مكانة منظمة التحرير وزعيمها عرفات عالميا ، واخذت تمارس مسؤوليات الدولة تجاه شعبها خاصة الموجودين على الارض اللبنانية.
أقام عرفات شبكة علاقات واسعة ومهمة مع القادة اللبنانيين ،وفي نفس الوقت كان ورفاقه يتحركون على الساحة السياسية العالمية يحشدون الدعم والتاييد لقضية الشعب الفلسطيني ولنضاله العادل ضد الاحتلال.
في 13نيسان /أبريل 1973 حاولت إسرائيل اغتيال ياسر عرفات في بيروت حيث قامت مجموعة إسرائيلية ضمت بين أفرادها "ايهود باراك"ـ الذي أصبح لاحقا رئيسا لوزراء إسرائيل ـ باغتيال ثلاثة من كبار مساعديه القادة: كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وكمال ناصر.وقال مسؤولون فلسطينيون أن"معجزة سمحت لعرفات بالبقاء بعيدا" .كان عرفات لا يمضي أكثر من بضع ساعات تحت سقف واحد ، وكانت تحركاته تتم بغموض وبتكتم .

2020/30/03